ميلاد جديد.. لقصة حب!
هذه كلمات رجفت بها يدي.. إلى القلب الذي يخفق داخل قلبي، وإلى العين التي ترى ما تراه عيني، وإلى الأذن التي تسمع همسي، وإلى الشفتين العذبتين التي تهمس أحلى وأعذب وأرق الكلام في أذني، ويتردد في أعماق نفسي.. إلى العيون التي فيها مصيري أهدي كلامي.
صدقيني يا روحي وأنا الآن ألملم همومي قبل حاجياتي، بعيداً عنك، يجتاحني شعور غريب ومؤلم بالوحدة والانفراد والظلم والبرد، بعيداً عنك وعن قلبك الدافئ، وقربك المشرق.
لكني حينما أفكر في مشاعرك تجاهي يجتاحني ويعمرني شعور دافئ، شعور طفل وجد أمه فارتمى بين أحضانها، هذا يكفيني لأن أكون مطمئناً هادئ البال، مشاعرك تجاهي هي –وربي- أغلى هديَّة وشهادة عندي أضعها بين أضلعي وأضمها إلى قلبي، لأنها شهادة القلب للقلب شهادة لم يهتز قلبي إلا لها وحدها، ليس قلبي فقط؛ بل اهتز كلي طرباً وحباً وفرحاً وشعوراً غريباً أحسست به معك أنتِ فقط لأول مرة في حياتي.
هل تعلمين أنني أتوقف كثيراً عندما أريد أن أكتب لك رسالة؟
هل تعلمين ذلك؟ وهل تدرين ما السبب؟!
لأنني أعلم أن نظراتك الخجولة وهمساتك التي ترسلينها إليَّ هي نفسها التي أهمس بها إليك، هي رسائلي وحروفي وكلماتي بذاتها نحوك يا مهجتي.
كتبتُ ولم أكتب إليك، وإنما *** كتبتُ إلى روحي بغير كتابِ
وذلك أن الروح لا فرق بينها *** وبين محبيـها بفصل خطابِ
وكل كتابٍ صادرٍ منك واردٍ *** إليك، بلا ردّ الجواب، جوابي
فثـقي أيتها الحدائق الناظرة أن كل هدايا العالم لن تنفعني إذا خسرت نفسي التي هي قلبك الذي بين أضلعك بل بين أضلعي أنا، ذلك القلب الذي أحببته كثيراً بقدر حبي للحياة والسعادة وللحب نفسه.
إنَّ فكرة كتابتي لك فكرة رائعة، ولا أدري ماذا سأفعل بدونك، كيف سأضع يدي في يدك، كيف أقبض يديك بحرارة، إن يدي يا أميرتي الآن خالية، هل أضع يديَّ على المكان المتخيَّل ليديك، أم أقبلُ المكان، أم أشمه، أم أتتحسس أنفاسك فيه وحوله، أم أضعه على قلبي؟!
لا أدري ماذا أصنع شوقاً وعطشاً إليه!
إنَّ صورتك ومواقفك باتت منذ زمن تنبض خفقاناً بقلبك داخل قلبي، يا لها من لحظة سعيدة وأنا أتذكر يديك ولأول مرة تضعينها في يدي ببراءة متناهية، في أول ليلة قمريَّة لنا هناك. يديك –يااالله- كانت محتضنة في يديَّ، هذه الذكرى تعني لي ألف معنىً في وحشتي وخوفي، و على الأقل حينما حرمت من رؤيتك أن أرى بعض ما يذكرني بك.
أشكرك على مواقفك الرائعة والتي هي جزء منك.. لكن صدقيني أعظم هدية لي هو حبك الكبير لي، حبك الذي لا أستطيع أن أكافئه بأي شيء في الدنيا إلا قولي بقلبي: إنني –والله- أحبك كثيراً، ولولا حياؤك لصرخت بأعلى صوتي أمام العالم، وأقول: أحبك حباً هو أعظم من كل شيء، حباً لم يخلق في قلب بشر، حباً لا تتخيلينه، وحباً لا تطيقينه ولا يطيقه بشر، حباً يجعلني دائماً أتمنى أن أراك لأقبل يديك وجبينك.
لو قابلتك لضممتك إلى صدري بقوة، حتى تتداخل أضلعي بأضلعك، ثم بعدها سوف أغفو وأنا مطمئن، سوف أنام وأنا لا أريد أن استيقظ من هذا الحلم الجميل، الذي حلمت فيه بأن يدي ممسكة يدك، وأنك بجواري، و سأخلد قرير العين هانئ البال حينما أضع رأسي وأنام نوماً عميقاً، رجاء أن لا يوقظني موقظ ليقول لي: قم فأنت تحلم ولا تزال.
حينما رأيتك في آخر لحظة تحدثنا في لقائنا الأخير كنت أراك تتحدثين بلغة الدموع صامتة واجمة، وأنا واقف وقلبي قد فاض بالدموع، وقد علمت أنني إذا نطقت بحرفٍ واحد سأنفجر باكياً كالأطفال، ابتلعت بكائي، وتحملت وأنا أرى عيونك أوشك تفيض من الدمع حزناً، وأنت تحاولين أن تخفي عليَّ بكاءك!
تمنيت أني صرحت أمامهم وقلت لك: يا حبيبتي، يا عيوني، يا قطتي، يا صغيرتي، يا جنتي .. لكني وهكذا أنا دائماً أتردد، لكني وأنا الآن أترقب عقارب الساعة، واللحظات تجري بين يدي، أكتب لك بدموعي عيني وأقولها بكل صراحة: لقد أحببتك وفرحت بحبي لك وحبك لي .. كثيرة هي الاعتبارات التي تمنعني من أن استرسل في كلامي لكني الآن أبوح بشيء في داخل نفسي، لأني أعرف أن شعوري بات مفضوحاً لكِ.
والله لو حلف الأحبـــاب أنهم *** موتى من الحب أو قتلي لما حنثوا
قوم إذا هُجروا من بعد ما وُصلـوا *** ماتوا، وإن عادَ وصلٌ بعده بعثوا
كما قلت لك .. إنني أحلم أني رأيتك في لحظتي الأخيرة لتشبع عيني من عيونك، ولأقبل يديك وجبينك، وأقول لك: إنك حياتي وأملي في خوفي وظلمتي، أنت قبسي وبصيص نوري الذي سأمسكه في يدي وأسير به، حتى أصل إليك.
صوتك لم تعد أذني تسمعه، أذني لم تعد تسمعه، بل قلبي صار أذناً لصوتك وحضناً له يقبل ويحتضن كل حرف من حروف فمك العذب.
البشر لا يضمنون أن تتغير علاقات البشر وهذا ما كنت أقوله لك دائماً. وأنت الآن تتخوفين أن يتغير حبي لك ...!
بالمقاييس الدنيوية كل شيء جائز.. لكن إذا نظرتُ إليك، وإلى عيونك، وإلى قلبك، استبعدت ذلك بل حكمت بأنه في دائرة المستحيل، لأنه يستحيل على قلبين تحابا حباً حقيقياً أن يعرفا الكراهية أبداً، أو يجتمع في قلبيهما وفي لحظة واحدة الخيانة.
إن في معنى الكراهية معنى الخيانة الذي يتصادم كلياً مع معنى الحب الحقيقي الذي يعني لي أن أضحي لك بكل شيء حتى نفسي، والخيانة تعني أن أضحي بكل شيء من أجل نفسي حتى بكِ، إنهما معنيان نقيضان مطلقاً وهما كما تعلمين لا يجتمعان أبدا في قلب واحد أحب ووجد وهام.
فاطمئني وثقي أننا لن نستبدل حباً بكره، إلا حينما نسمح لقلبينا أن يتسرب إليهما الخيانة خيانة الله وخيانة الحب الحقيقيّ.
إني كنت أعتقد أن يكون السؤال الحقيقي هو : هل يمكن أن أعرف الحب الحقيقي الذي عرفته منك؛ على يد غيرك؟ وهل يمكن أن تعرفي الحب الحقيقي الذي عرفتهِ بي من غيري؟
هذا السؤال هو الشعور الطبيعي لكمال الحب في مداركه التصاعدية، حينما أحببنا بعضنا حباً عظيماً إلى درجة امتزاج الروح، بل إلى درجة غيابنا في بعضنا عن أنفسنا، حتى صرتُ لا أعرف هل أنت أنا!
إن نفسي التي بين جنباتي تقول:
لبيـك لبيـك يا سـري ونجوائـي *** لبيك لبيك يا قصدي ومعنائــي
أدعوك بل أنت تدعوني إليـك فـهل *** ناديتُ إيـاك أم نـاديت إيّائـي
يا عـين عـين وجودي ما مدى هممي *** يا منـطقي وعبـاراتي وإيـمائي
يا كل كلـي ويا سمعـي ويـا بصري *** يا جمـلتي وتباعيضـي وأجزائـي
يا كل كلـي وكـل الكـل مـلتبس *** وكـل كلـك ملبـوس بـمعنائي
يا من بـه علقـت روحي، فقد تلفت *** وجـداً فصرت رهيناً تحت أهوائي
أدنـو فيبـعدني خـوفي فيـقـلقـني *** شـوقٌ تـمكن في مكنون أحشائي
قـالوا: تداو بـه منـه، فقلـت لهـم: *** يا قـوم هـل يتداوى الداء بالداء
إني لأرمـقه والقلـب يـعـرفــه *** فمـا يـترجـم عنـه غير إيمائي
يا ويـح روحـي من روحي، فوا أسفي *** عليّ مـني فـإني أصـل بـلـوائي
إن كنت بالغيـب عـن عـينيَّ محتجباً *** فالقلـب يـرعاك في الإبعاد والنائي
هذا هو السؤال الجوهري في حبنا لبعضنا؛ ذلك الحب الذي لا ترويه أي لغة أرضيَّة، أو جسديّة، وإنما ترويه الأرواح الممتزجة في بعضها امتزاج الرحيق في العسل في حلاوته، وامتزاج الألم في الدموع في مرارته، وامتزاج العين في العين، والصدر بالصدر، والهمس بالهمس، والنَـفَس بالنَـفَس، حتى تمتلئ الصدور برائحة أنفاس المحبوب.
ولذا فليس في حبنا أي معنى للنسيان إلا إذا جاز أن ينسى الإنسان نفسه، وليس هناك أي معنى لتسرب الخيانة إلا حينما يخون الإنسان نفسه، وليس هناك أي احتمال للخسارة إلا حينما يخسر الإنسان نفسه، النسيان مصطلح لم يخلق ولن يخلق في هذا الجو المليء بالحب والوجد والهيام والغرام، لكن المصطلح المكتوب والمحتوم هو البُعد وألم الفراق ودموع الوداع.. هذا هو قدرنا.
ولذا كنت دائماً أراك أنتِ بستاني الذي سقيته دائماً، وزهوري هي أنت، فأنت بستاني وأنت زهوري وأنت كل شيء، وسوف يزهر هذا البستان العذب المنتج بإذن الله، ويكفي يا زهرتي الحلوة أن بستانك أزهر في قلبي حبك يا حبيبتي أليس ذلك يكفي؟!
جبلت روحك في روحي كما *** يجبل العنبر في المسك الفتِق
فـإذا مسَّك شيءٌ مسـني *** فإذا أنت أنـا لا نـفتــــــــــرق
إنَّ حبنا هو الذي يلهب شوقنا دائماً، ولو كان التمني يفيد لتمنيت أنني في ريف أخضر مورق، وتكوني معي أنا وأنت فقط، في هذه الجنة الرائعة حيث البساتين الطبيعية والأنهار، وحيث اسكن في كوخٍ صغير أنا وأنت، وأظن أني سوف أبقى أشهراً أنظر وأحدق فيك دون أن تمتلئ عيوني وترتوي من النظر في عيونك وإليها، لأمسك بعدها بيدك الساخنة وأشد عليها برفق وأقبلها وأمضي معك حيث تلك الجنات والأنهر نجري هناك ونلعب هنا وتغني ونجري ونركض فرحاً وطرباً، ثم نقف أمام النهر الصغير الذي بكيت فيه طويلاً .. وتكفكفي دموعي وتوقفي خفقان قلبي، لنظل نحلم ونحلم في يقظتنا.. ويبقى هو حلم ونبقى نحن نحلم.
إنَّ شوقكِ ليس إلا تجاوباً للشوقٍ مقابلٍ يتمنى أن يتصل بك ويستمتع بسماع صوتك المنبعث من شفتيك العذبة، إنك تشتاقين لمن يشتاق لك.
إذا ذكرتك كاد الشوق يتلفني *** وغفلتي عنك أحزانٌ وأوجاع
وصار كلي قلوباً فيك واعية *** للسقم فيها وللآلام إسـراع
فإن نطقتُ فكلي فيك ألسنة *** وإن سمعت فكلي فيك أسماع
حقيقة أني لست بحاجة أن أكتب كلمة هنا أو أترك لكِ هذه الرسالة، حيث بلغ حبي مبلغ الكمال، وصرت أحس بك على البعد، وأسمع صوتك بل وهمسك بل ونجواك على الفراق، فصار دمعك دمعي، وأنينك أنيني، وشكواك شكواي، ووصلك وصلي ووصلي وصلك، فصرتُ أنتِ وصرتِ أنا، وهكذا نحن منذ أن عرفنا الحب أو منذ عرفناه ونسجناه بزهور الوصل، وبغناء الكلمات وهمس الألحان. ثم جاء قدرنا فنسج فراقنا بأشواك مؤلمة، وأنين المتوجع الخائف المرتقب من الوداع.. كلنا عيون تبكي وكلنا آذان تصغي للشكوى وتبدي، كلنا قلب ولسان وأذن، وكلي أنتِ يا وردتي الجميلة.
نسمات الريح قولي للرَّشـا *** لم يـزدني الـورد إلا عطشـا
لي حبيبٌ حُبُهُ وسط الحشا *** إن يشأ يمشي على خدي مشى
روحه روحي وروحي روحه *** إن يشأ شئتُ وإن شئتُ يـشا
فا أيتها الطيور المسافرة أنقلي حرفي وكلماتي لها، ويا أيتها النسائم أحملي حبي وشوق إليها، والله لو إليكم سبيل لسارت إليكم قلوبنا، ولو كانت لنا أجنحة لطرنا بها إليكم.
أنتم ملكتم فؤادي *** فهمت في كل وادي
ردوا عليّ فؤادي *** فقد عدمت رقادي
أنا غريب وحيدٌ *** بكم يزول انفرادي
ماذا أكتب يا ترى؟
إنها خيانة الحروف، وعجز الكلمات، وشلل المعاني، وبكاء العبارات، وعبرات الكلمات.. لقد شغلني أمرك، شغلتني عيونك، شغلتني روحك، شغلتني أنفاسك، لم أعد أعيّ ما أكتبه، لم تعد الحروف تسعفني، ولا الكلمات تنجدني، لم يعد هناك أي لغة يمكن أن تعبر عما يريد قلبي البوح به، قلبي يريد أن يقول ما لم يقله أحدٌ قلبه، لكن لغته تجعل مهمته البوح عسيرة جداً بل مستحيلة.
لم تعد تجدي لغة اللسان، لقد فشلت فشلاً ذريعاً، ولم يعد هناك إلا لغة العيون، فإذا تأملتِ عيوني التي طالما تأملتيها جيداً فسوف تكتشفين سر وحقيقة البوح، إنه ليس سر "المونليزا" ولا سر " دافنينشي" بل سر حبي لك المدفون في أعماق عيوني، تأمليها جيداً، بعمق وصبر، ستجدين كل شيء تبحثين عنه فيها.
أكتبُ لك الآن وأنا أعلم أنها كلماتي الأخيرة، وفي هذه الدقائق الأخيرة،يدي تكتب على مضض كلماتها الأخيرة، وكأني أتخيَّل كل حرف منها يبكي بمرارة لأنه يعرف أنه لن يكتب لك الآن كما تعود ذلك في زمانٍ أنصرم وتفرط.
أزف الرحيل فحان أن نـتفرقَ *** فإلي اللقاء يا حلوتي إلى اللقـاء
وتضرمت عند الوداع أضالعـي *** نار خشيتُ بحرَّهـا أن أحـرقَ
ما زلت أخشى البيّنَ قبل وقوعه *** حتى غدوتُ وليس لي أن أفرَقَ
مرَ النوى لله ما أقسـى النـوى *** لولا النوى ما أبغضت نفسي البقاءَ
أكبادنا خـفاقة وعيونـنا *** لا تستطيـع من البكا أن ترمــــــــــــــــقَ
إنَّ الذي كتب القطيعة والنوى *** في وسـعه أن يجـمع المتفــــــــــرقَ
صخرة الخلاص








