( حوار ودردشة ... حول حلقة " أولى حروب القرن " بقناة الجزيرة )
أخوتي الكرام ... تابعة باهتمام حلقة قناة الجزيرة ليوم الخميس - أمس - التي بعنوان " أولى حروب القرن " وكان ضيوف الحلقة يمثلون النخب الفكرية للتيارات التي يمثلونها .
فالضيف الأول هو : الصحفي والكاتب المعروف بجريدة الحياة اللندنية الأستاذ داود الشريان .
والضيف الثاني هو : الدكتور الطيب عصام العريان من أيرز رجالات حركة الإخوان .
والضيف الثالث هو : باحث اكاديمي بريطاني في المركز المختص بالقضايا العربية .
في الحقيقة كنت مهتم جداً بهذا اللقاء والحوار وذلك من ناحيتين :
- عنوان الحلقة الذي يدور حول الحرية والديمقراطية .
- اسماء الضيوف التي شدتني كثيرا .
ولكن في متابعتي للحلقة أسفت جداً على سطحيت الحوار الذي قام على الكلام الإنشائي أو تسجيل المواقف ، فليس هناك جديد ، وليس هناك وثائق أو حقائق ذات صبغة جديدة حتى ولو على المستوى الأسلوبي ، الحوار كان تقليديا جداً جداً .
في هذا اللقاء كان الحوار أشبه ما يكون بالثنائي بين الشريان والعريان في ظل غياب قيمة الكلام الذي طرحه الخبير البريطاني فيما عدا نقطة واحدة مهمة .
الأستاذ داود الشريان صحفي سعودي متمرس ولبق ومتميز ، يجيد إدارة أفكاره بنجاح ، وتسديدها بشكل جيد دون مصادمات عنيفة في الجو الذي لا يعطيه الضوء الأخضر لينطلق بكل حرية ، فتعليق مداخل أو فاكس ، يمكن أن يدفعه إلى الأمام كي ينثر بقية السهام المخزنة لديه .
والحق أن الأستاذ داود الشريان طاقة وطنية نتمنى لها التوفيق والرشاد والسداد للخير والتوفيق والهداية لخير الدين والأمة والبلاد والعباد .
من خلال متابعتي لحديث الأستاذ داود الشريان يمكن أن أحصر أهم ما ذكره في نقطتين :
الأولى : موقف أمريكا من الديمقراطية في الوطن العربي ومنطقة الخليج .
بين الأستاذ الشريان موقع الخلل الذي تمارسه السياسة الغربية وخاصة الأمريكية تجاه قضايا المنطقة ، مما أدى إلى تعمق الشك في الذهنية لدى أبناء المنطقة من إسلاميين وحكام وسياسيين ، فاللعب بالعايير والملفات متى ما تشاء جعل القضية التي تحملها أمريكا وتبشر بها محل ريبة وشك لدى الجميع ، فالإسلاميين بكافة فئاتهم يتخوفون من الهدف البعيد لأمريكا ، والحكام والسياسيين العرب كذلك يلفهم الخوف من الغموض الأمريكي وحقيقة الهدف من حملتها ضد الارهاب !
بين الأستاذ الشريان أن أمريكا بتدخلها المكشوف والظاهر ستكون محل رفض من الجميع حتى اللعلماني المتطرف - أنا أشك في ذلك - وبيّن الأستاذ الشريان أنه مع إعادة النظر في مناهجنا الدينية ونظرتنا نحو الآخر في إعادة تشكيل الذهنية الدينية عند المسلمين تجاه الآخرين بعيداً عن التكفير والاقصاء ونحو ذلك .
والذي يفهم من كلام الأستاذ الشريان أنه يتخوف من التدخل الأمريكي الصارخ في هذا الوقت خشية تعطيل العمل الليبرالي الذي يقوم بهذا الدور قبل أن تطلبه أمريكا !
هذا - حقيقة - ما استنتجته من كلام الأستاذ الشريان وقد أكون غير مصيب في فهمي هذا ، ولكن وعلى هذا الفهم الذي استنتجته من كلام الأستاذ الشريان ، نجد أن ما تريده أمريكا الآن من تغيير المناهج الدينية وإعادة صياغة الذهنية العامة تجاه الآخر ، نجد الإتجاه الليبرالي قد ساهم في ذلك من قبل ومن بعد ، ولكن الخشية الآن تتمثل في : أن التدخل الأمريكي الصارخ والمفروض سيثير حساسيات من شأنها أن تعطل هذا المشروع ، وتصم من يعمل فيه بأنه متأمرك أو عميل كما أشار إلى ذلك الأستاذ الشريان !
هل الدين والأمة والوطن يا أستاذي القدير داودالشريان تعارض سبل التقدم والنهضة والرقي من خلال تطوير مناهج البحث والدراسات العلمية ؟
أم أنها تعارض مسخ هويتها تجاه نفسها وتجاه الآخرين تحت اسم إعادة صياغة الذهنية العامة أو تحت دعوة إعادة كتابة المنهاج الدينية ؟!
إن أخشى ما نخشاه يا أستاذي القدير داودالشريان أن لا نكون لا أصحاب صبغة إسلامية ولا غربية ، فنكون بذلك قد أضعنا دنيانا وآخرتنا ، وذلك لعمري هو الضاع المبين .
إني أشاطر الرأي الدكتور الفاضل عصام العريان حينما بيّن أن الخشية أن يفرض علينا إسلام عصري حسب المقاييس الأمريكية !
يا أستاذي القدير داودالشريان إن هذا الدين وهذه المناهج الدينية التي تدرس في بلادنا - حفظها الله - هي التي منحتنا الولاء - محض المحبة - للمسلمين وللدين الرباني ، وجعلتني في ولاء تجاه قضايانا المصيرية ، وجعل أرض الجزيرة العربية المتناحرة ذات الشقاق القبلي تتوحد تحت راية التوحيد الخالص ، بفضل هذه المناهج الدينية كان هناك المواطن المؤمن المخلص لدينه ووطنه ، المحب لولاة أمره ، هذه المناهج الدينية هي التي جعلت بلادنا مضرب المثل في الأمن والأمان والرغد في العيش ، كيف لا والله عز وجل وعد القرى المؤمنة بالرزق والأمن ، وهل هناك أصدق من الله حديثا ؟!
أني أخشى يا أستاذي القدير أن تتحول بعض النخب المثقفة ذات التوجه الليبرالي إلى أمريكية أكثر من الأمريكان ، أو أن تكون كما عبر عن ذلك الدكتور ( رفيق حبيب ) وكالة بالنيابة !
يقول المفكر المسيحي العلماني ( رفيق حبيب ) :
(الانبهار بالغرب أدى الى هزيمة عقل الأمة ومن العقول المهزومة ظهر فريق يحاول أن يتحد مع المنتصر ويتبنى حضارة الغرب ، ولكن لدى وكلاء الغرب كانت الصدمة سببا في الالتحاق بالغرب ونقل قيمه وأفكاره ونموذج حياته وكانت الدعوة للحرية الغربية تجد طريقها لدى النخبة المثقفة ، إن وكلاء الغرب يشكون من عدم اتاحة الفرصة كاملة لحرية البحث ويؤكدون أن حضارتنا وتراثنا قيود على البحث العلمي ، والحقيقة أن هذه الشكوى تنبع من قضية على جانب كبير من الخطورة ، لأن تطبيق العلم الغربي في سياق حضارتنا يمثل تعديا على كل مقدسات الامة ولذلك فانه يواجه من مجموع الأمة ومن هنا يشكو وكلاء الغرب بسبب إن حرية البحث العلمي مقيدة والحقيقة ان التعدي على مقدسات الامة مقيد ) .
هناك يا أستاذي الفاضل أصول للدين ومقدسات لا يمكن أن يكون هناك إسلام بدونها ، وإذا كان تحديث المناهج الدينية سيطالها فصدقني لا أرضا قطعنا ولا ظهر أبقينا والله المستعان !
بقيّ قضية مهمة وهي متعلقة بالديمقراطية وتكريس مفهوم الحرية الفردية أو تقديسها كما صرح بذلك وزير الخارجية الأمريكي ( باول ) ، وموقف التيارات الإسلامية الإقصائية والعدوانية من الرأي المخالف .
لا أظن أني سأعلق بالشكل الجيد كما فعل الدكتور الفاضل عصام العريان حينما فند مثل هذا الكلام الذي لا يمت بصلة ولا بصحة إلى أرض الواقع ، فالتيارات الإسلامية المختلفة - مع ما فيها من غث وسمين واخطاء وانحرافات - هي الضحية الأولى للقمع الليبرالي سواء من الأنظمة العربية أو من السكوت أو التأييد الغربي لهذا القمع .
ومن العجب يا أستاذي الفاضل أن تستدل بقضية الجزائر على القمع والتشدد الإسلامي ، وكأنك تعيب على الضحية مقاومته لقهر المغتصب القاتل لحريته ولا تشير بكلمة واحدة لقهر وقمع القاتل !
لا شك أن أي شكل من أشكال العنف في المجتمعات الإسلامية مرفوض ولا يمثل الإسلام ، ولكن من الإنصاف - القليل - أن يشاربالتوبيخ للقاتل والمقتول الغير مهذب !
إن الغرب ومعه النخب الثقافية العربية الليبرالية - للأسف حقا - لا يعترف بالآخر !
إن الآخر يا أستاذي ليس الصديق الودود ، بل المقابل المخالف وهم بالنسبة للنخب العلمانية التيارات الإسلامية .
كثير ما يقول التيار الليبرالي أن الإسلاميين لا يبجيدون العمل ، وأن الواجب عليهم إذا قبلوا باللعبة الديمقراطية أن يرضوا بنتائجها ، وإذا بنا نصدم بأن اصحاب هذه النصيحة هم أول من ينقضها حينما يتحول الآخر إلى منافس حقيقي ، وهنا ينقلب التيار الليبرالي المنادي بالحرية وتقديس الحرية إلى مقصٍ للخصم من الدرجة الأولى وبدرجة إمتياز مع الشرف !
يقول ( أوليفيه روا ) الخبير الفرنسي بشؤون الإسلام السياسي :
( عندما يكون على الغرب الإختيار بين العلمانية والديمقراطية ، فهو يختار العلمانية دائما ، وعندما تكون العلمانية في كفة والديمقراطية في كفة كما في الجزائر وتركيا فالغرب يختار دائما العلمانية لا الديمقراطية ، الغرب يفضل قيام نظام تسلطي دكتاتوري على وصول الإسلاميين إلى السلطة ) .
نحن يا أستاذي نرى درجة رهيبة من الاقصاء والعداء تمارسه النخب الليبرالية والعلمانية تجاه الآخر ، ولكنا نصدم بداء أعظم وهو داء الاسقاط ، اسقاط أمراض الداخل على الخصم اللدود !
يقول ( أدوارد ما نسفليد - وجاك سنايدر ) وهما يتحدثان عن فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية ، وحزب الرفاة في تركيا ... يقولان :
( في كلتا الحالتين ، كان لا بد من انتهاك المسار الديمقراطي ، وذلك لإيقاف ما أسفرت عنه العملية الديمقراطية نفسها ، فقد عبير كثير من المراقبين والحكومات عن ارتياحهما لهذا ، مبررين ذلك بأنه من الأفضل وجود حكومة " فاشية " نستطيع التعامل معها ، بدلا من حكومة إسلامية لا نستطيع التعامل معها !! ) .
يا أستاذ الفاضل .. كيف نلوم التيارات الإسلامية بعد كل هذا القمع والتهميش والاقصاء ، ثم لا نلوم بكلمة واحدة الاتجاه العلماني ، أنت تعيب الإسلاميين لأنهم لا يمارسون النقد الداخلي مع أنهم في حالة قمع وتجميع ، وفي المقابل لا نجد هناك نقد للعلمانية الداخلية من الداخل مع أنها لا تواجه قمعا في الوطن العربي بشكل عام .
ويقول الكاتب ( روبرت كانمان ) في كتابه " الديمقراطية والمعايير المزدوجة " .
( إن الجميع يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي ) !
وتقول ( كيركبا تريك ) المستشارة في إدارة الرئيس ريغان وممثلة أمريكا في الأمم المتحدة :
( أنه ينبغي علينا عدم تشجيع الديمقراطية في وقت تكون فيه الحكومة المؤيدة من قبلنا تصارع أعداءها من أجل البقاء ، وإن الإصلاحات المقترحة بعد ذلك لا بد أن يكون منها إحداث التغيير ، وليس إقامة ديمقراطية ) !
إذن من الذي يمارس الاقصاء والتهميش للآخر يا أستاذي العزيز ؟!
انظر بنفسك للنخب الإسلامية ... قمة الشهادات الجامعية والتفوق والخبرات والتجارب التي يحتاجها وطننا العربي الغالي ، في مقابل الكثير من النخب العلمانية - وخاصة الصحفيّة - التي لم يحصل كثير من منسوبيها على شهادة الثانوية بل أحيانا المتوسطة !
تأمل معي حال ضيفك الآخر الدكتور الطبيب عصام العريان أمثل هذا المثقف صاحب المنهج المتسمح السلمي يزج به أمام المحاكم العسكرية ؟
يقول الدكتور ( برهان غليون ) أستاذ كبير في جامعة السوربون فرنسي الجنسية سوري الأصل ، علماني يساري التوجه ، ولكنه منصف وباحث جاد وحيادي :
( ليس صحيحا أن الذي يعيق الأنظمة العربية مثلا عن تحقيق الديمقراطية هو خوفها من الإسلاميين ، بل هي لم ترفع شعار الديمقراطية إلا لمواجهتهم وبسببهم ، إن تفجر الأزمة - كما هي اليوم - لتبدو وكأنها مواجهة أهلية شاملة ، لم تحصل إلا بسبب طفوح الكيل من الغش والخداع والكذب والتلاعب بعقول الشعب ، واحتقار ذكائه ومخيلته ، إن ما نسميه بالمجتمع " المدني " ومنظماته هو اليوم نهب لأجهزة المخابرات وضحية لها.
إن الحركات الإسلامية لم تتوسع إلا لأن السلطات القائمة رفضت أي تشغيل للقنوات السياسية الطبيعية ، وحاولت منع المجتمع من التنفس والحياة ، وهذه الحركات تشكل آخر تعبير سياسي عن روح الثورة والتمرد الكامنة في شعب اغتصب حقه في المشاركة والحياة منذ عقود ) .
ثم يعتب الدكتور غليون على النخب العلمانية في معاونتها للطغاة في القضاء على الحركات الاسلامية ، بحجة العمل للديمقراطية وتنظيف الساحة منهم ، وإن الحكام في الجزائر قتلوا مالا يقل عن (30) ألف إسلامي بحجة تنظيف الساحة منهم !!!
ثم يقول الدكتور غليون بالحرف الواحد :
( من هم الإسلاميون ، غير إخواننا وأبنائنا وبناتنا ؟ أليسوا هم أنفسهم القوى التي نحتاج إليها لمواجهة التحديات الكبرى المادية والمعنوية ، الخارجية والداخلية التي تعمل لتدميرنا ؟؟ ) .
هؤلاء هم الإسلاميون الذين تشتكي يا أستاذي منهم والله المستعان .
إن أبناء المنطقة العربية والخليجية يشكون بشكل كبير وعميق بالمساعي الغربية للتغيير في المنطقة ، ويدركون أن الغرب لا تحركه إلا مصالحه الشخصية بعيدا عن مراعة القيم الإنسانية ، وقد تفضلت يا استاذي القدير بالاشارة إلى تلاعب أمريكا بقضية حقوق الإنسان تجاه بلادنا السعودية - صانها الله من كل عابث - وتجاه مصر ، فمتى ما كانت مصالح أمريكا تسير بشكل جيد ، يتم السكوت عن أي حقوق ومتى تهددت تلك المصالح ُأخرجت تلك الملفات للتلويح بها من بعيد ، وأصبحت حقوق الإنسان لعبة تنتهك لأجل المصالح البرغماتية !
كيف يمكننا أن نفسر ذلك الهجوم الشرس من قبل وسائل الاعلام الغربية والأمريكية على وطننا ، وبماذا نفسر التقرير الذي كتبه اليهودي الحاقد ( سيمون هيرش ) ؟
هل يمكن أن يقبل أبناء الوطن العربي والإسلامي من هؤلاء تغيير أو من وكلائهم ؟
ويقول الدكتور ( روجيه جارودي ) سكرتير الحزب الشيوعي السابق في فرنسا :
( الديمقراطية عند الغرب ، هي حق تملك العبيد ، وسيطرة الأقلية ، ورفع شأن سادة الثروة ، الديمقراطية للأسياد لا للعبيد ، وللبيض لا للسود ، وللأغنياء دون الفقراء) !
أجرى الدكتور ( عبد العزيز كامل ) حوارا مع أستاذ جامعي أمريكي ، جاء فيه على لسان هذا الأستاذ :
( إن العرب لا يفهمون الأمريكان وسلوكهم وموقفهم من القوة ، لقد دخلنا أمريكا بالقوة ، وسيطرنا عليها بالقوة ، وانتزعنا استقلالنا بالقوة ، ووحدنا بلدنا بالقوة ، وقضينا على الهنود الحمر بالقوة وجلبنا الأفارقة الاسود بالقوة ، ولم ينتزعوا منا حقا إلا بالقوة ، ولم تزدهر عندنا " كرة القدم " ولكن أزدهرت ألعاب العنف من ملاكمة ومصارعة ، إفهمونا جيدا : نحن لا نحترم إلا القوة !! ) .
يقول ( بنجامين ) الخبير في الاستراتيجية الأمريكية في معهد السياسة العالمية في نيويورك :
( إن التوسع جزء من التراث الأمريكي ، في الماضي كان التوسع جغرافيا سياسيا ، وذلك بتأسيس ولايات أمريكية في مناطق الهنود الحمر ، حتى وصلنا إلى ساحل المحيط الهادي ، ثم اسسنا ولاية جزر هاواي ، ثم وقفنا أمام طموحات وتوسعات الآسيويين ، وخلال خمسون سنة قد تحول التوسع إلى اقتصادي ، نحن نريد أن يكون كل العالم سوقا أو سوبرماركت ، فيه كل شيء ، ونحن الذين نسيطر عليه ، إننا نريد أن يكون الشرق الأوسط جزءا من السوق الأمريكية العالمية ، ولن نستطيع تأسيس نظام اقتصادي عالمي بدون قوة عسكرية ، ويبدو أن هذا هو معنى النظام الدولي الجديد ) .
يقول الكاتب الأمريكي الشهير المتصدر للكتابة في صدور الجرائد الأمريكي ( توماس فريدمان ) :
( نحن الأمريكيين رسل العالم السريع ، أعداء التقليد ، أنبياء الاقتصاد الحر ، الكهنة الأعظم للتكنولوجيا الرقمية ، نحن نريد أن يقتفي العلم أثرنا ، ويصبح ديمقراطيا ، على شفتيه زجاجة بيبسي ، وميكروسوفت على جهازه الحاسوبي ) .
إن المواطن العربي المسلم لا يلام إطلاقا على شكه وريبته تجاه المشاريع الغربية أو المشاريع التي يديرها وكلاء الغرب بالنيابة ، لأنه بات يجزم أن الغرب لا يحارب من يسميهم بالإسلاميين المتشددين وحسب ، بل إنه هؤلاء هم أول الحلقة في سلسلة طويلة لا يعلم نهايتها ، بل يشك أنه مقصود بدينه وعقيدته ومنهاج تعليمه الدينية ووطنه وماله وعرضه ونفسه وذراريه وكل شيء له ، إن هذا الهاجس أصبع حالة ذهنية عميقة لم يرسخها إلا الغرب والوكلاء .
يقول ( صاموئيل هنتنغتون ) الخبير في وزارة الخارجية :
( إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين ، وإنما الإسلام ككل ، فالإسلام بكل طوائفه وفي مختلف دوله عبارة عن حضارة كاملة تشتمل الدين والدنيا ، وكل مظاهر الحياة اليومية ، ولذا قلت إن الإسلام ونظام الدول الغربية لن يلتقيا ، إن المسلمين يعلنون في وجه كل غربي إن دينهم هو الأحسن وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الأفضل ، كلهم يقول ذلك المتطرف والمعتدل ) .
وبعد كل ذلك هل يلام المواطن العربي المسلم يا أستاذي ؟
الله المستعان .
الثانية : الحداثة أثناء تعليقة على مقال كاتب صحفي لبناني ووزير .
ذكر الأستاذ داود الشريان - وفقه الله لسداد أمره ورشد - قضية الحداثة وعلاقة الُمنتج بالانتاج وولاء المستفيدين من المُنتح لا المنِتج وقضية أخذ الحضارة أو الثقافة بشكل متكامل ، وقد اعترض عليه الدكتور الطبيب عصام العريان بأن هذه القضية قضية خطيرة لأنها تمس الهوية والخصوصية .
من وجهة نظري وفهمي - القاصر - أرى أن النخب الليبرالية أصبحت تقف من الحضارة الغربية موقفا أختارته من بين مواقف خمس ( لا داعي لذكرها الآن ) .
هذا الموقف يتمثل بالقبول لكل طرح حداثي غربي ، بناءً على أن الثقافة كل لا يتجزأ فإما أن تؤخذ كلها أو تترك كلها ، كما يصرح بذلك الدكتور طه حسين و الأديب ضياء الدين ألب وسلامة موسى وفرح أنطوان ولويس عوض وقسطنطين زريق وشبلي شميل وغيرهم من النخب العلمانية .
والسؤال الذي كنت أتمنى من الأستاذ الشريان أن يطرحه على هذه النخب وعلى نفسه :
إلى متى هذا اللهث والجري وراء الحداثة والغرب ؟
يقول الدكتور ( زكي نجيب ) في أواخر حياته :
( لقد لبثت أعواما لا ارى للحياة القومية المزدهرة إلا صورة واحدة ، وهي صورة الحياة كما يحياها من أبدعوها حضارة هذا العصر ، ولقد شاءت تطورات التاريخ أن يكون هؤلاء المبدعون هم أبناء أوروبا وأمريكا ، فهناك ولد العصر ، بعلومه وفنونه ونظمه ، ولهذا فقد أصبحت سائر شعوب الأرض إنما تقاس بمقدار قربها أو بعدها من الطراز الغربي القائم ، كهذا كان الرأي عندي حتى أواسط الستينات ولقد بلغت فيه حد التطرف الذي لم يعرف لنفسه حيطه أو حذرا ، وكان الأمر يبدو أمام ذهني وكأنه من البديهيات التي لا حاجة بها إلى مزيد بحث أو تأمل !! ) .
ألا ترى يا استاذي أنه حانت الساعة التي يجب أن يفيق فيها نخبنا المثقفة ، وتدرك أن لدنيا دينا عظيما وحضارة وثقافة ذات قيمة خالدة وأبدية ، وأن المفروض عدم العبث والمساس بالمواد بل الواجب تجديد الوسائل .
إن المثقف المسلم يطالب بإعادة قراءة التاريخ قراءة قائمة على الفهم الصحيح ، والوعي بطبيعة هذا التراث التاريخي ، بعيدا عن القراءة الماركسية أو الرأسمالية الإمبريالية ، لقد أصبحنا نتعلم تاريخنا في الوطن العربي - وللأسف - عن طريق الدراسات الاستشراقية التي تعدها المعاهد الغربية ، فأصبحنا نستمد معرفتنا بتاريخنا من خلال ما يقدمه الغرب لنا حتى في خصوصياتنا !
يقول الدكتور ( هشام شرابي ) فلسطين الأصل أمريكي الجنسية ، علماني متطرف :
( إن أنظمة المعرفة ، وأساليب البحث العلمي في العلوم الإجتماعية هي أنظمة غربية في أساليبها وأشكالها كافة ، حتى معرفتنا لذاتنا وتاريخنا ومجتمعنا في القرن العشرين كلها معرفة غربية في صميمها ، فالعلوم الإنسانية والإجتماعية في العالم الثالث كلها مستمدة من الغرب ، وهي تنتج وتعيد إنتاج المعرفة الغربية محليا ، ومن هنا يمكننا تفهم أسباب الرفض المطلق للغرب عند الأصوليين ، وإصرارهم على العودة للدين والتراث ، واستعادة الهوية الأصلية من خلال معرفة تراثية مستقلة عن كل الأطر والمفاهيم الأجنبية ) .
من العيب أن يتبرع مفكر غربيّ ليقول للنخب العلمانية العربية أنه ليس من الضرورة لتقدمكم أن تسيروا خلفنا حذو القذة بالقذة !
يقول المفكر الفرنسي المعروف ( جاك بيرك ) :
( هل النموذج الغربي ضروري وحتمي لكافة الشعوي ؟ لا ليس بضروري ولا حتمي ، بل يؤدي في أحيان كثيرة إلى نوع من الفشل والقلق والتمرد ) !!
ولذلك إذا ذكر عند العلماني ( التراث والهوية ) يوشك أن يتقيأ ويصاب بالدوار والغثيان ، ويثور ثورة تفقده توازنه المفتعل ، أما الحديث عن تطبيق الإسلام فجريمة توجب العقوبة ، ولا يتذكر العلماني من الإسلام شيئا سوى القتل في الجزائر وأفغانستان ، وهو يجتر من مخزونه تلك الألفاظ الإقصائية ( ... الرجعية الظلامية والعودة للعصور الوسطى .... ) !
وإذا سألناه ماذا فعلت الأحزاب العلمانية أو الطليعية والتقدمية ، لم يجد ما يقول !
إن كثيرا من النخب العلمانية الحاكمة لم تجد ما تقدمه لشعوبها المنكوبة بهم وبفكرهم لم تجد سوى بعض الكتابات العلمانية التي لا هم لها سوى شتم الإسلام وأهله ، كتابات يتعالى منها رائحة " العفن الفكري " لتقوم المؤسسات الوطنية بطبعها من مال الأمة الفقيرة المنكوبة ، وتساهم بعض الكنائس بتوزيعها ، وما رواية ( وليمة لأعشاب البحر ) إلا خير شاهد !
ختاما ....
تقول ( الصاندي تلغراف - نقلا عن مسؤول كبير غربي ) :
( إننا نسمي أنفسنا مسؤولين وديمقراطيين ، ولكننا في الواقع أنانيون وبرابرة ومعدومو المسؤولية ، إن مئات الأبرياء والمدنيين العزل قتلوا في " سربرنتا " بمدفعة الصرب المتوحشة ونصر في نفس الوقت على استمرار حظر السلاح ! إن أسوأ مجرمي الحرب في هذه المأساة هم قادة الغرب الذين يشاهدون المجزرة ولا يفعلون شيئا لإيقافها ، إن مأساة البوسنة عار على حضارتنا فإذا الدم الى بترول أو تحول المسلمون إلى مسيحيون أو يهود فلكنا نعلم أنه سيكون هناك تدخل وفعل ) .
والله المستعان ...
مع فائق الشكر والتقدير للأستاذ داود الشريان .








