( الإنسان المتدين !)
تراه آتٍ من بعيد ، تسبقه رائحة عطرة ، رائحة دهن العود الرائعة ، وتلمحه يمشي في سكينة وبخطوات هادئة رزينة ، يمشي الهوينى ، ثيابه بيضاء كالثلج بل كبياض السلام ، تتلمح في وجهه سيماء الصالحين ، وشعلة النور تنبثق من جبينه كشعاع الشمس الهابط نحو جبال الثلج ، ليذيب عن شفتيك الصقيع فتلهج بذكر الله حينما تراه !
هوذا الإنسان المتدين ، إنسان سعيد بعلاقته مع ربه ، وعلاقته مع الناس ، حزين متألم لسوء علاقة الناس مع الله وسوء علاقتهم ببعضهم البعض .
هو إنسان حساس ، نفسه شفافه ، يرى الطفلة اليتيمة ، فيندفع باكيا ، ذارفا الدموع الصادقة تجاه طفولةٍ معذبة لم تعرف الشفقة ولا الرحمة ، ويبتسم حينما يرى البرعم في ساق الشجيرة ينمو ويكبر ، ليزهر ويتفتق عن أزهار رائعة برائحة الربيع الجميل الساحر .
هو إنسان ، ولكنه ليس كأي إنسان ، إنسان تجرد من ذاته ، وتطلع لمصلحة الأمة ، فلا تعرف النرجسية لقلبه طريقا ، ولا ُتعرف المصلحة الشخصية في قاموسه أبدا .
هو إنسان رقيق ، ولكنه قوي بالله ، يستمد قوته من واهب القوى ومدبر الكون والعالم ، الله جل جلاله ، فلا يخاف إلا من الله ، ولا يخشى على رزقه و حياة ، فهو يعلم أن ذلك كله بيد الله .
هو إنسان محب ومتيم ، يحب أمه وأباه ، وولده ، وزوجته ، ولكنه يحب الله فوق كل حب ، فحب الله مقدم على الجميع ، فرضى المحبوب ( الله ) مقدم على كل رضى .
المتدين لديه رسالة عظيمة ، يسعى في هذه الدنيا لكي يحققها بين الناس ، رسالة قائمة على نشر الفضيلة بين الناس ، وتحقيق السعادة بينهم ، يتألم إذا رأى ضالا بعيدا عن الهدى ، ويفرح إذا رأى عائدا إلى الله ، يبذل وقته وماله من أجل الله ، ثم من أجل خدمة الآخرين .
إذا كان في عمله تجده مخلصا أمينا في كل واجب يقوم به ، وإذا كان في ُصحبة فإنه هو الخادم المطيع للجميع ، وإذا خلا لوحده راقب الله في سره وعلانيته ، يتذكر الله فيسكب العبرات عند أعتاب باب الله ، يتذكر تقصير نفسه ، فيلومها ويقرعها ، ويتذكر إحسان غيره فيدعو له ويستغفر،
إذا أخطأ تراجع عن خطأه ، وإذا أحسن أو انتصر لم يرد أن يغمط غيره حقه .
وهو إنسان ، بكل ما تعنيه الإنسانية من نسيان وتقصير وعجلة ، تصدر منه الزلة والخطية ، ويصدر منه الخطأ والزلل ، ولكنه تواب أواب ، سرعان ما يرجع ، فلا يعرف التمادي في الباطل .
المتدين غيور لا على أهله فحسب ! بل على مجتمعه وأمته ، فجميع نساء مجتمعه أخوات له ، وجميع الرجال أخوان له ، فهو حريص ، رحيم ، رؤوف بالجميع ، هو مرآة المجتمع ، يعكس صورتها الحقيقية دون نفاق ولا تضليل ، يعطيك حقك لا يبخس منه شيئا ، ويتنازل عن حقه حينا ، ولكنه لا يتنازل عن حق غيره ، خاصة إذا كان هذا الحق حق الله عزوجل ، فإنه يضحى من أجله ويقدم الغالي والنفيس من أجل الله وحقه ودينه .
المتدين عملة نادرة ونفيسة ، يحتاجها المجتمع ، فهو الأب الرحيم ، وهو الأبن البار ، وهو المدرس المخلص ، وهو الجندي الأمين ، وهو المواطن الصالح .
المتدين نصف الحياة ، ونصفه الآخر المتدينة ، تلك المرأة الرائعة ، لا أقول رائعة بجسدها وشعرها ، ولكني أقول رائعة بروحها وذوقها وبراعتها ودينها وجمالها .
هي أم رؤوم ، وبنت حنون ، وزوجة تمنح زوجها من صافي الود والتحنان اشكال وألوان ، هي بيت الدفء إذا هبت رياح الشتاء ، وهي النسيم العليل إذا قدم الربيع ، وهي الإبتسامة إن خيم العبوس على الدنيا ، وهي الإخلاص والصدق في زمن المنفعة ، وهي الروح في زمن المادة .
المتدين والمتدينة بلسم شفاء ، وبصمة صدق ، ميثاق نقاء ، لا يستغني المجتمع عنهما ، فالمجتمع الصالح يهتم بأمر المتدينين ، يرعاهم ، يسددهم ، يساعدهم ، يوجههم ، كي تسير السفينة بأمان نحو جزيرة النجاة في هذا البحر الهائج المضطرب بأمواج الفساد والكبر والنفاق والانتهازية .
المتدين والمتدينة يجب أن يكونا كذلك ، وكل ميسر لما خلق له ، وسددوا وقاربوا ، وإن الله لمع المحسنين .
همسة أخيرة ... فإن البعض يكره الدين ويعادي المتدين لخلل ثقافي ، أو شطح سلوكي ، أو حسد قلبي ، فأين تقف أخي القاريء ؟؟








