صخرة الخلاص
نسيجُ وحدِه
أيتها المدينة الرائعة .... أنا راعي الأغنام حولك.

( أيتها المدينة الرائعة .... أنا راعي الأغنام حولك )

( هذه قصة ومأساة قصة ... هي حقيقية ومؤلمة ، لأم رائعة حرمت من أطفالها بالقوة ، وأبعد الأطفال عن قلب أمهم ، فتفجرت عيونها بالدموع ، وظلت ساهرة ليلها تنتظر عودة صغارها إليه !

ومقالي هذا ... محاولة يائسة ، ورسالة مشفقة ، إرسلها لها ، لعل شيئا من جراحها يندمل ، أو لعل شيئا من دموعها يكفكف ، هذه رسالة من راعي للأغنام - كما صورته - وبين مدينة الأحزان الشامخة )

*( ارجو من الراقب الكريم أن لا ينقلها للأدبية ، فهي مأساة أم حقيقية موجودة بيننا الآن ، ليرى الجميع فداحة قسوة القلوب التي لا ترحم )
 
 

كراع للغنم أنا واقف على هضاب مجاورة لتلك المدينة .

مدينة رائعة ، جميلة ، فاتنة ، ساحرة ، لكنها يتيمة بين المدن ، وحيدة بين القرى والهجر ، بعيدة عن صخب الناس ، مدينة مهجورة قابعة خلف تلال وهضاب السوسن، سورها العظيم لا زال معظمه شامخا معاندا الزمن ، ليثبت للجميع أنها صاحبة الكبرياء ، الذي لا يقبل الشفقة ، وصخور هنا وهناك ، قد تبعثرت حول بقايا أجزاء سور ، وبصمات أولاد القرية ونساء القرية لا تزال صارخة بأن هناك بقايا للذكريات ، لا زالت تجول في البلدة .

كراع لوحدي بين غنيماتي ، وغنيماتي حولي ، أسرح بهن وأجول بين واحات الزهر ، وأنهارالخلد المتدفق من الجليد المتلبد على قمم الجبال .

كراع بين غنمه لا أحد ينظر إليه بوقار أو اهتمام ، لكنه مستمتع بصحبة الطبيعة ، وبصحبة غنيماته القليلة السارحة في مرج الزهور .

يطوف بين الهضاب والتلال ... في خطوات هادئة وسكينة رائعة ، يتجول ومزوده المرقع على كتفه، وعصاه بيمينه ، يشير بها على غنمه ، يسوقها نحو جدول قد أخترق ذلك الجبل الأشم ، جدول يتدفق بالمياه الباردة المنعشة ، يتلقط منه رشفات قبل أن ينسكب على الأرض ويسيح فيها ليقطع الدروب نحو الأعشاب والحشائش التي تلف سور المدينة .

النسور الجبلية تحلق فوق ، في السماء ، فوق الراعي ، مكونة دائرة ، وكأنها أصبحت قرص يدور فوق الأغنام .

النسيم عليل ، والهواء لطيف ، ورائحة الزهور ، رائعة ، في ذلك المكان ، لا يوجد إلا ذلك الراعي الفقير الذي لا يهتم به أحد ولا ُيلقى له أهتمام ، لأنه فقير ومسكين !

لكنه ... رحيم ، جدا رحيم ، يضم في قلبه أجمل معاني الرأفة والشفقة ، إنه ليحمل الحمل الرضيع اليتيم ، ليكون له الأم والأب بعد موت أمه ، إنه رقيق وحساس ، ولا يحب أن يكون جبارا ، ويكره الظلم وينبذه وينابذه ، ولذلك هو منبوذ من الناس .

الراعي .. يترك غنيماته ترعى في أمان في مرج قريب من أسوار المدينة الجميلة الرائعة ، ويقترب من تلك الهضبة المطلة على المدينة ، وينفس الصعداء ، وينظر بنظرة مشفقة ومحبة ودافئة للمدينة ، ويقول :
 

أيتها ... المدينة أتمنى لو كان أمري مطاع .

أتمنى لو كنت مدينتي وكنت أنا ملكا عليك .

أتمنى لو كنت قرية بستانية جميلة وأنا قائد جيش لجب .

لحاصرتك بكل قوة ، ولقذفت أسوارك بالورود ، ولقصفت أبوابك بالرجاء ... نعم بالرجاء !

ولتضرعت تحت أسوار المدينة ، تضرع الفقير الذليل ، المشفق الخائف الوجل .

الذي يقول : يا أيتها المدينة الطيبة ... لا تقسي على نفسك !

أيتها المدينة هل فهمتي شعوري ؟

سمعت صوتك أيتها المدينة ... صوت بريء جدا ، لكنه مرعوب ، خائف ، قلق ، وبريء !

هذه هي أطلالك ... وبقايا سورك ، وآثار أهلك ، وأولادك ، هذه لعب أطفال أراها من بعيد ، هذه أواني وكؤوس أهلك لا تزال موجودة وإن كانت مبعثرة .

هذا أريجك أيتها المدينة الطيبة ... يلفك برائحته الزكية ، وهذي هي المروج تطوق خصرك الممشوق بأنواع الزهور والورود الناضرة .
 

ارجوك أتضرع إليك لا تتركيني وحيدا ، كما فعل الناس ، لا تجيبيني بصمتك المجنون ، لا تسكتي ، لا اريد أن أسمع صدى صوتي أنا !

ارجوك أتضرع إليك لا تقسوى على نفسك ، لا تجرحيها ، لا تحمليها فوق طاقتها ، ارجوك لا تعيني المارد الشيطاني على نفسك ، أمنحيها الثقة ، فأنت لا زلت بكبريائك وأنفتك ، تقاومين عواتي الدهر ، وتصاريف الليالي والأيام .

أمنحي الناس الرحمة ، أنظري للناس كأطفال ، وأنت أم الجميع ، والأم تغفر الزلات ، أنت مدينة وسور للجميع ، ارجوك ثم ارجوك ، لا تعذبي نفسك ، ولا تقتليها بالعزلة والاكتئاب ، ارجوك إن كان لي مثقال محبة عندك .

أيتها المدينة الشيهة الرائعة ... أنا من البشر ، من دون سائر البشر عندك ، وأقف أمام أسوارك الشامخة ، أقبل يديك ، وألثم أبوابك ، وأحتضن مروجك الخضراء .

أكفكف دموعك ، أجمع ألعاب أطفالك ، سوف أحتفظ بها دائما في مزودي ، حتى إذا رجعوا إليك أحتضنهم وأقبل أكفهم الصغيرة ، وألثم جبينهم المشرق البريء .

وكأني أرى وأتنبأ من وراء أستار الغيب ... أرى تلك الأرجوحة التعيسة والمدمرة ، التي وقفت عليها الغربان ، قد عادت كما كانت ، وأرى أطفالك حولها يلعبون ، وعليها يتأرجحون ، نعم ... إني أراهم هناك ، وأراك وأنت بشموخك وجمالك وروعتك واقفة من بعيد كالشمس الفاتنة ، قد احتضنت أولادك بأشعتك الذهبية الدافئة .

أرى أطفالك ... حولك يهتفون : أمي ... أمي ... حبيبتي ... غاليتي ... أمي .
 
 

أيتها المدينة ... أقبل قدميك ، لأني أحمل في قلبي كل معاني ورحمة الأم التي فقدت أطفالها ، أيتها المدينة ، أنا لوحدي أقف بجوارك ، لأنه ليس لي مأوى غيرك .

أيتها المدينة العجيبة الحزينة ... كفكفي دموعك ، وأطوي ألمك في سجل النسيان ، فلعل الجرح أن يندمل ، ولعل الحزن أن يغادر قلبك المفجوع .

أستحلفكن بالله يا زهور المرج ، ويا ورود الهضاب ، إلا أن سكبتن عطوركن لهذا المدينة الخالدة .

أستحلفك بالله يا زهرة الوالدي ... أنت أيتها الزهرة الصغيرة ، ضمي إليك تلك المدينة الحزينة بكل قوة ، فإني عاجز أمام دموعها ، وكبريائيها العجيب .

إنها لا تريد أن تبكي أمامي ، لا تريد أن تستجديني ، لا تريد أن أمنحها الأهتمام ، لكني أنا المعذب ، أرى تجاعيد وجهها بادي على أسوارها ، أرى شلالات دموعها قد أغرقتني بالأحزان ، أراها تحتبس أنينها خشية الشامتين !

الله لك يا مدينتي البائسة ... أنا لوحدي بجوارك ، لكن ماذا أفعل وأنت لا تزالين مغلقة أبوابك العظيمة أمامي ، ماذا أفعل ومثلي يعجز عن تسلق أسوارك الشامخة في السماء !

قولي لي ولا تعذبيني : كيف أقدم لك التعازي والمواساة ، وأنت صامتة كصمت الجبال المحيطة بك من كل مكان ...؟

أيها النسر المحلق ، خذني معك كي أحلق وأطير في السماء أتجاوز الحدود ، وكل السدود ، أرى بهاء وروعة المدينة ، أرى أسوارها العظيمة .

أيها النسر المحلق ... أحملني بكل طهارة ، وأنزلني في قلب المدينة ، بين أضلاعها التي تأن من وطئة الأسى ومرارة الحرمان ، أريد أن أضع أذني على قلبها الخافق ، كي يخفق قلبي له ، أحملني أيها النسر في الأعالي ، فوق ، فوق ، وضعني تحت أجنحتها ، فأنا محرم مثلها وأحتاج إلى عطفها ، أيها النسر أحملني فوق أقصى ما تستطيع ، ثم أنزلني بكل سكينة ، كي أضم بأجنحتي بقايا كبرياء مدينتي الحلوة الحزينة .

أقسم لك أيتها المدينة .. أنني أسمع صراخك دون أن تنطقين ، إني أسمع صراخ داخلي ، وفي ذاتي ينبض في شرايين قلبي !

أيتها المدينة ... أحبك حبا تجاوز الحدود ، وتخطى الأسوار ، أرتمي عند أقدامك ، عند أسوارك ، ألثم بقايا شموخك وكبريائك ، أحبك أكثر مما تتخيلين ... حبا لم ولن يعرفه البشر ... أحبك .

آنستي أيتها الرائعة ... هل قصة غرامنا لم يكتب لها القدر أن تنمو؟!

كزهرة يتيمة وجدت في صحراء قاسية ، فجرحت كبرياء الزهرة الرقيقة ، فتلاشت كما يتلاشى الندى عن خد زهرة البنفسج .

سيدتي أيتها الغادة الفاتنة ... أصابعي قلقة مضطربة وهي تبحث بين أقلامي وأحباري وأوراقي ... بين حروفي ، بين كلماتي ، بين أنفاسي ، كأنها كانت تتمنى لو أن كل حرف من حروفها أمنية فأحققها لك !

لالالا ... يكفيني من كل حروفي المبعثرة أربعة حروف فقط ، لأربعة أبناء رائعين لأم رائعة ، لترجع الفراخ إلى عشها الدافء تحت جناح أم رؤوم رحوم ، تحت جناج أم لم تعرف في الليلها إلا السهر ، تراقب النجوم وتصيح وتصرخ بلا صوت ولكن في أعماق ضلوعها : أينكم يا أحبتي يا أفراخي يا صغاري ، أينكم أطفالي المساكين .

أيتها المدينة الشامخة ... أنا راعي فقير ومعدم ، وهل مثلي يمكن أن يواسي جراحك الغائرة ، ويوقف سيل دموعك الجارية ؟!

ولكني سأبذل من أجلك قلمي وحروفي وروحي ، كلماتي وهج ملتهب ينبض به قلبي ، كبركان متفجر ، ليسطر مأساة ، ودموع ، وآلام، وآهات ، رسمت لوحة الدموع بكل تفنن .

سيدتي أيتها المدينة الرائعة ... ليس بعد ظلام الليل الحالك إلا بزوغ الفجر وطلوع جبين الشمس ذات الأشعة الذهبية الرائعة ، التي سوف تشتت الغيوم السوداء عن أسوارك ، عندها فقط :

أذكرني ... أذكري أن هناك راع فقير مر من هنا ، وتألم من أجلك ، وبكي من أجل أشراق فجرك .

تذكرني ... وتذكري أنني وقف طويلا عند أسوارك أستجدي العطف ، الذي حرمت منه طويلا ، ولكني لا أريد إلا أن أخرج من العدم ، من بين أضلاعي عطفا لك أنت ، فقد آثرتك على نفسي .

تذكري ... أنني ممرت من هنا ، ووقفت هناك .

 
 
 
صخرة الخلاص

الراعي1


الراعي2


الراعي3


الأم



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية