( موت الله ... أهكذا قلها الفيلسوف نيتشه ؟! ( للنخبة فقط ) )
سراب ...
صحراء ...
وهبوب من السموم ...
وصوت صارخ في البرية : حيّ على الصلاة ، وتوكلت على الله !
فردريك نيتشه ( 1844 - 1900 ) فيلسوف القوة والعجرفة له حديث غريب جدا ، يختلف عن أي حديث له ، وفي أي كتاب ، إنه في كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) .
الفيلسوف الذي عرف بإلحاده ، يشن من صميم قلبه حملة شعواء ، على الحضارة الغربية وأهلها ، فيصفهما بأشنع الأوصاف وأقذعها ، ثم يبدأ حديثا غامضا عن " غادتين " حديثا موغلا في الرمزية ، ثم يتحدث عن الصحراء حديث إنسان يتطلع منها معجزة تنقذ الإنسانية ، ثم يكرر بشكل غريب وملفت للنظر نداء ( حيّ على الصلاة ) ونداءا آخر ( توكلت على الله ) فما هذه المفارقة عن فيلسوف أشتهر بالإلحاد ؟
وهل يا ترى ابتدأ " نيتشه " حياته ملحدا لينتهي مؤمنا متوكلا على الله تعالى ومكررا ( حيّ على الصلاة ) ؟؟؟
من يتصفح كتاب نيتشه ( هكذا تكلم زرادشت ) يجد موقفا عجيبا له من الحضارة الغريبة ، والتي هو يمثل أحد أبرز أقطابها وأركانها ، إنه يصف الحضارة في كتابه وصفا دقيقا أليما متمزقا ، وصوف يدل على مرارته منها ... يقول :
( هنا المدينة العظمى وهل لك أن تظفر منها بشيء ؟ إن عليك أن تفقد فيها الكثير .. هنا جحيم الأفكار ، كل فكرة فريدة ، هنا تصهر الأفكار السامية ، حتى تصبح مزيجا مائعا ، هنا تتهرأ كل عاطفة شريفة ، ولا يسمح إلا للعواطف الجافة بأن تعلن نفسها ، بخشيش اصطدمها ، إلا بلغت أنفك رائحة المجازر ، حيث تنحر الأفكار ، ومطاعم السوقه حيث تباع بأبخس الأثمان ؟
أفما ترى أبخرة العقول المضحاة تتصاعد منتشرة كالدخان فوق المدينة ؟ ألا تلوح لك الأرواح وهي معلقة معروضة ، كأنها خرق قذرة بالية ؟ إذا هي تنقلب صحفا تنشر بين الناس ؟
ألا تسمع البيان الكلي يستميل هنا إلى تلاعب ألفاظ وسخائف تغض بها جداول الصحف ، فإذا هي مصارف أقذار ؟
إن بعضهم يتحدى البعض ولا يعلمون على أي شيء يختلفون ، يأخذ بهم الغيظ كل مأخذ ، وقد غاب عنهم سببه ، فلا يسمعون إلا صفصفى قلوبهم ، ورنين دنانيرهم !
هنا مقام جميع الرذائل والشهوات ، وهنا أيضا فضائل عديدة لها مهاراتها ، ولها مشاغلها ، ولتلك الفضائل الجمة أنامل للكتابة ، وأرداف من رصاص ...
أي زرادشت : استحلفك بكل ما فيك من قوة ونور وصلاح أن تتفل - تتف - على هذه المدينة ، مدينة بائعي السلع ، ثم تكر راجعا إلى الوراء .
إن الذي يجري في عروق المدينة إنما هو دم فاسد فأبصق على المدينة الكبرى ، لأنها مزبلة تتراكم فيها الأقذار .
أبصق على مدينة النفوس الصعيفة ، والصدور الضيقة ، مدينة العيون الحاسدة ، والأنامل اللزجة ، مدينة الوقحين والفجار والمعربدين ، والطامعين البائسين .
المدينة التي يتكدس فيها من يأكلهم سوس الفساد ، من أهل الشهوات المتآمرين ، أبصق على هذه المدينة ، وعد أدراجك ... !
لقد كرهت هذا المدنية العظمى أنا ايضا ) .
(المصدر : هكذا تكلم زرادشت - 203 ) .
أقول أيها الأحبة : كم هو - نيتشه - حاقد على مدنية الغرب ، وكلامه يجعلني فعلا أصمت بلى تعليق ، لأن كلامه لا يسمح مجالا للتعليق ، أهذه هي المدنية الغربية يا نيتشة ؟
أهذه هي المدنية الغربية يا فيلسوف الإلحاد ، مزبلة وقاذورات ؟
أتأمرنا يا فيلسوفنا بأن نبصق عليها ونتف ونتفل ؟
أخشى أن نتهم أنا وأنت يا صديقي نيتشه بأننا متطرفون ورجعيون إسلامويون !
صديقي العزيز ( نيتشه ) هل مدنيتكم الغربية ، وفلسفتها الإلحادية ، وموت الله الذي أعلنته يا صاحبي ، هل كل هذا يمكن أن يعاد إصلاحه ، هل يمكن أن نخرج مدنيتكم الغربية من كونها مزبلة وقذارة إلى جنة وسعادة ؟
يقول نيتشه :
( ليس في هذه المدينة من يقبل إصلاحا ، بل زيادة فسادا ، ويل لهذه المدينة ، ليت تجتاحها أعاصير النار ، فتذرها رمادا ، إذ لا بد من انطلاق مثل هذه الأعاصير منذرة بالظهيرة الكبرى ، ولكن انطلاقها مرهون إلى بزمانها ومقدرتها .
الويل الويل لقد ساءت الحال ، يا للإنحطاط ، إن العالم لم يسقط إلى مثل هذه الدركة قبل الآن ، لقد استحالت روما إلى عاهرة وتدنى قيصرها إلى مرتبة الحيوان !) .
(المصدر : هكذا تكلم زرادشت - 277 ) .
أقول أنا فيصل آل مبارك :
عزيزي نيتشه هون على نفسك ، ولا تنتظر الجحيم كخيار وحيد لخطة الخلاص الأبدية ، فتش في نفسك ، في قلبك يا صاحبي ، فقد تجد لك مخرجا في مكان ما ، قد يكون هذا المكان ، مكانا محتقرا عند بني قومك ، بل عند بني قومي وبناتهم الأغرار الضعفاء ، الذين سكروا حتى الثمالة في سوائل وبقايا مزبلة وقذارة الغرب .
فتش يا نيتشه ، فتش له يا حكيم الفرس يا زرادشت ، فتشي له أيتها الزهور الجميلة ، عن مخرج نوراني من نفق الغرب المادي المظلم .
يقول نيتشه :
( ذلك زمان عشقت في الصحراء غادتي الشرق .. فهناك سماء غير هذ السماء ، لا تتلبد فيها الغيوم ، ولا تعكر أديمها الأفكار ..إن الصحراء تتسع وتمتد فويل لمن يطمع إلى الاستيلاء عليها .
يا للمهابة !!
يل لبداية تليق بمهابة الصحراء ، تليق بأسد أو بنذير يهيب بالناس إلى مكارم الأخلاق ، إنها لروعة ، لم تسلط عليكما يا صديقتي عندما أتيح لي أنا ابن أوروبا أن أجلس عند أقدامكما تحت ظلال النخيل وأنادي .. حيّ على الصلاة.
يا للعجب ، أراني راكعا أمام الصحراء ، ولكني عنها جد بعيد ، لم تبتلعني الواحات الصغيرة ، بل انفرجت أمامي ، كأطيب الثغور نكهة ، فارتميت فيها ، وها أناذا عند أقدامكما يا صديقتي العزيزتين .. فحيّ على الصلاة .
أنني أمجد تلك اللوحة ، فأنا قادم من أوروبا ، أشد العرائس جحودا ) .
(المصدر : هكذا تكلم زرادشت - 333 ) .
أقول :
إنها يا صديقي سماء الصحراء الصافية ، وسماء الغرب عندكم ، في الغرب السماء تموج بالفكار المتصارعة ، لكن سماء الصحراء لها وضع آخر يعجز الإنسان الغربي عن تصور سحرها !
إن قراءة متأنية لهذا النص يجد صاحبه المتمرد على أوروبا الحضارة ، الناس ، العقائد ، الأفكار ، هذا الإنسان المتمرد الثائر - أي نيتشه - يتطله بهاجس إلى الصحراء ، ينتظر منها منذرا وبشيرا وهاديا ... هل يكون يا صديقي هو نداء الفطرة والإطمئنان والسلام :
حيّ على الصلاة ؟
هل عشق نيتشه حياة لا يعرف الإنسان الغربي كنهها ، كما يعجزون عن حل ألغازها .
يا صديقي نيتشه ، أسالك بالذي خلقك فسواك فعدلك الله ، ماذا تريد ، ولي شيء ترمز ؟
يقول نيتشه :
( ويلاه أين أستقرت الرجل التائهة ، وأين حطت رحالها ؟ لعلها الآن وحيدة فريدة ، ترتجف خوفا من هجمات وحش كاسر ، أو أسد أصفر ، تجعدت لبدنه ، ولعلها الآن ممزقة إربا ، فحيّ على الصلاة .. أرتفع يا مظهر الجلال ، ولتهب مرة أخرى نسمة الفضيلة ، وليت أسد الفضائل ، يزأر أيضا أمام غادات الصحراء ، ، فزئير الفضيلة يا بنات الصحراء أقوى ما ينبه أوروبا ويحفز بها إلى النهوض ، ها أناذا ابن اوروبا لا يسعني إلا الخشوع والانتباه لدوي الآيات البينات وقد توكلت على الله !!! )
(المصدر : هكذا تكلم زرادشت - 369 ) .
أقول :
هذا هو نيتشه ، يستلهم الفلاح والنجاة من صوت حيّ على الفلاح ، ويتوكل على الله !
( الفيلسوف نيتشه ... وإعلان موت الله ! )
من الأغاليط الفكرية ، عند بعض من ينتسب للثقافة ، عدم التحقيق في نسبة الأقول ، ومعانيها ، ورموزها ، لذلك رأينا بعض السذاج من من يجري ويقتات على مدنية الغرب ، أو على ترجمات ردئية لفلسفات الغرب ، يعلن بكل بلادة أن نيتشه يقول :
بموت الله !
أي يعتقد أن الله ، أو القوة التي تسيطر على العالم سمها ما شئت ، قد ماتت !
متى ؟
وكيف ؟
الحقيقة أن نيتشه لم يقل بذلك !
يقول ( بيار هيبر - سوفرين ) تحت عنوان ( موت الله ) :
( إن موت الله - عند نيتشه - هو أولا هذا الحدث الذي يلاحظه نيتشه ، في حضارة القرن التاسع عشر .. في قرن العلم الوضعي ، والفعالية الصناعية والثورات السياسية ، ضاقت مكانة الله أكثر فأكثر ، واختفى الله شيئا فشيئا ، وعموما ، إن موت الله هو إذا ، قبل كل شيء حدث ، وهذا الحدث يبقى على الفيلسوف أن يفسره .
يمكن تفسير هذا الحدث مباشرة على أنه زوال مفهوم الآخرة من حقل ثقافتنا ، إن موت الله هو أولا موت الآخرة ، إلغاء الإيمان بعالم آخر )
ثم يعقد كلا من ( بيار هيبر - سوفرين ) عنوانا آخر ( موت الله تدمير الأخلاق ) !
إن نيتشه يقرر موت الله ، أي يشهد كمثقف غربي ، على إنهيار قيمة الله ، بما تمثله من افيمان بالآخرة ، وبالأخلاق ، الرحمة ، الشفقة ، الإنسانية .
نيتشه ، ليس كافرا بقيمة الله ، ولا بقيمة الدين ، لكنه شاهد على إنحطاط الغرب لأنه لم يعد يؤمن بالأخلاق بالآخرة ... أخيرا بالله .
يقول نيتشه ( إرادة القوة ) :
( إن أكثر القيم علوا ورتفاعا ، فقدت قيمتها ، ولم تعد تمارس فعاليتها ، وقوتها البناءة المحببة .
إن الناس قد أعوزتهم الغاية من الوجود ، كما أعوزهم الجواب عن سؤالهم لأنفسهم : لماذا يحيون ويوجدون ؟
فحياة الدين تخسر ، وتترك وراءها الغدران والمستنقعات ، والأمم تتباعد عن بعضها البعض ، ويسود بينها الشقاق والعداوة .. والعلوم تصبح أشتاتا ، وتقضي على أشد ما آمن به الناس واعتقدوه قوة ورسوخا .. كل شيء يمهد الطريق للبربرية القادمة ! )
ليس هذا هو رأي نيتشه وحده ، بل رأي كبار عباقرة الغرب !
يقول الناقد البريطاني ( كولون ولسن ) في كتابه ( سقوط الحضارة ) :
( إن الدين هو مقياس البطولة ، ورمز حاجة الإنسان في الكفاح من أجل الفهم ، وفشل الدين والحروب العالمية أمران متلازمان حتما .. إن التقدم العلمي الذي ساعدنا كثيرا على دحر صعوبات الحضارة ، قد سلب منا الدافع الروحي !) .
ويقول أيضا الفيلسوف ( برنار شو ) :
( كنت أعرف أن الحضارة تحتاج إلى دين ، وإن حياتها أو موتها يتوقف على ذلك ، فالحضارة تسقط في اللحظة التي تكون فيها قوة الإنسان أشد وأكبر من قوة الدين ! )
قال المؤرخ البريطاني ( توينبي ) :
( إن العالم قام بصفقة مقايضة ، فقد أغرت فنون الصناعة ضحايا ، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ، وذلك ببيعها مصابيح جديدة لهم ، مقابل مصابيح قديمة ، لقد أغوتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلا منها السينما والراديو ، فكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري ، الذي سببته تلك الصفقة ، إقفرارا روحيا وصفه أفلاطون يوما بأنه مجتمع الخنازير ... ! )
نداء ضمير :
إنني في خاتمة حديثي ، أبعث نداءا لأبناء أمتي وبناتها ، وإلى كل مخدوع وقلق ، أقول له كما قال نيتشه :
زئير الفضيلة يا بنات الصحراء أقوى ما ينبه أوروبا ويحفز بها إلى النهوض ، ها أناذا ابن اوروبا لا يسعني إلا الخشوع والانتباه لدوي الآيات البينات وقد توكلت على الله !!!
صخرة الخلاص







said:

said:
said:



من سوريا