صخرة الخلاص
نسيجُ وحدِه
فتيات تحولن إلى فراشات .. في طريقهن نحوأنوار من الغرب

( فتيات تحولن إلى فراشات .. في طريقهن نحوأنوار من الغرب)

قال حكيم من حكماء الصحراء وهو يروي رؤياه على مجموعة من تلاميذه :

( رأيت فيما يرى النائم ، وكأني أسير في طريق معوج ، يقذفني تارة نحو اليمين ، وتارة نحو الشمال ، و لا أدري أين أنا ذاهب ، وكأني أسير على ظهر قارب مسرع وسط وادي مملوء بكثبان الرمل وكأنه اليم !

وبينما أنا أسير ولا ألوي على شيء إذ انتهى الطريق وقد ُسد بشجرة عملاقة لم أر في حياتي أكبر ولا أعظم منها ، حتى ُخيّل إلى نفسي أنها شجرة أبدية ستبقى ما بقيت الأرض !

شجرة ضاربة بجذورها في أعماق الأرض ، وممتد ساقها وأغصانها حتى السماء ، وبدى أعلا غصن فيها يناطح السحاب !

إلا أن ساقها العظيم القوي قد تكاثرت عليه الحشرات والديدان والطفيليات ، حتى ُيخيل لمن يرى ظاهرها أنها قوية وجبارة ، ولكن في باطنها الإنهيار والهلاك !

وقفت مشدوها حائرا أنظر لتلك الشجرة العملاقة ، وأشعت الشمس التي لا تكاد تصل إلى الأرض من كثرة أخصانها ، والتي ما من شجرة صغيرة أو كبيرة إلا وداخلها من تلك الشجرة العظيمة غصن ، حتى ضاقت الأشجار بأغصانها !!

وبينما أنا كذلك ؛ إذ بامرأة شرقية عربية ، قد تجلببت بجلبابها واحتشمت كما تحتشم النساء العربيات المسلمات ، ثم تقدمت نحوي ووقفت حيث كنت أقف ، وأطلقت عينيها تنظر بتعجب واستغراب لتلك الشجرة !

وبينما نحن ننظر بدهشة وذهول إذ بدودة صغيرة تخرج من ثقب وسط ساق الشجرة العملاقة ، وتسير إلى أعلا الشجرة ، حتى استقرت على غصن صغير !

أُعجبت المرأة بتلك الدودة ، وبدأت تلاحقها بنظراتها البريئة ، والدودة تنسج حول نفسها نسيجا غريبا وتربط ذلك النسيج بالغصن الصغير ، ثم قذفت بنفسها إلى أسفل الشجرة ، فصارت متعلقة تتأرجح ، حتى هدأت وسكنت ، والمرأة العربية تنظر لتلك الدودة باستغراب !

ثم بدأت الدودة تتحرك شيئا فشيء ، وتحاول أن تمزق الغشاء الذي حولها لتخرج ، وبدأت تخرج تدريجيا... الرأس ثم بقية الجسد !!

يا لله !!

لقد تحولت الدودة إلى فراشة رائعة جميلة ، حتى إن المرأة صرخت بصوت عظيم وهي تصفق وتقول :

رائع ... رائع ... حقا إنها مدهشة !

وانطلقت الفراشة ترفرف بجناحيها محلقة بين الأغصان ، مبتعدة عن أنظارنا ، إلا أن هذه الفراشة المسكينة - ودون أن تراها المرأة - قد سقطت في شبكة عنكبوت متوحش ، وقد كان يرقبها من بعيد ، وينتظرها كي تطير ليسهل اقتناصها !

المرأة لم تعرف مصير الفراشة الجميلة ، بل لا زالت تحت تأثير جمال الفراشة بعد التحول الغريب ، ثم خرجت مجموعة أخرى من الديدان وتسلقت أعالي الشجرة ، وعملت مثلما عملت الدودة الأولى ، وتحولن إلى فراشات رائعات ، يأسرن من ينظر إليهن ، وأنطلقن بين الأغصان يرفرفن بأجنحتهن المزخرفة الملونة بألوان الطيف الجميلة ، ذهلت المرأة بمنظرهن الخلاب ، وغابت في خيالها وكأنها تحسب نفسها واحدة من تلك الفراشات ، إلا أنها وهي في غيبة وتعجب ، لم تشاهد تلك الفراشات ، اللآتي استدرن خلف الشجرة وهن يرقصن ويغنين ، ويتمايلن على أنغام زقزقة العصافير ومداعبة الهواء العليل ، حتى إذا أبصرن ناراً مضرمة ، هرعن نحوها دون تفكير وتأمل ، بل خدعن بلون وشكل النار الساحر الفتان ، فأخذت الواحدة تلو الأخرى تقتحم اللهب وتحترق ، دون أن تشعر إحداهن بكارثة الأخرى !

والمرأة المشتملة بجلبابها ، غائبة عن ما حدث في خيالاتها وأحلامها ، حتى إنها أقتربت مني

وقالت : يا سيد هل تتفضل بمساعدة ؟

فقلت : على الرحب والسعة .

فقالت : أرجوك أحملني نحو ذلك الغصن !

فقلت : ولماذا ؟

فقالت : أريد أن أعمل مثل ما عملت الدودة !

فقلت : لا لا ... أخشى أن تسقطي فيحدث لك مكروه !

فأصرت هي ، وأصررت أنا على الرفض ... فذهبت وتركتني وأخذت تبحث عن حجر أو صندوق أو ُسلم كي تصعد لذلك الغصن .

ولكنها لم تجد شيئا من ذلك ، بل وجدت بقايا حطام منزل ، قد جرفه التيار نحو نهاية الطريق ، فوجدت طاولة طعام ، وبقايا تلفاز ، وهيكل طبق استقبال هوائي ، فجمعت ذلك كله ، واستطاعت أن تصل بواسطة الحطام إلى الغصن .

فرحت جدا وقالت لي :

تعال ولا تخف ... إنني الآن أرى العالم بوضوح !

فقلت لها : كلا ... وأرجعي قبل أن تسقطي ؛ فضحكت وقالت :

دائما أنتم هكذا تخافون من لا شيء ، ثم بدأت تلف حجابها حول الغصن ، وتربطه بنفسها ، ثم ألقت بنفسها من على الشجرة ، وصارت تتدلى مثل الدودة ، حتى سكنت وهدأت .

ثم بدأت تمزق الحجاب شيئا فشيء ، فبدأت ُتخرج رأسها ، ثم يدها ، إلا أن حجابها كان شفافا ، ولم يتحمل الثقل وبدأ يتمزق بسرعة هائلة !!

فصرختُ وناديتُها :

أيتها الأخت الكريمة ... أدركي نفسك ، فإن حجابك يتمزق !

فنظرت إليّ ببرود وتبسمت !

وراحت تستمر في الخروج من غشائها ( الحجاب) ، ولكن الحجاب لم يتحمل فتمزق ، وانحل رباطه ، فهوت نحو الأسفل ، وارتطمت بالأرض !

يا إلهي ....!

أسرعتُ نحوها ، أريد أن أدركها ، ولكن فات الأوان ، فقد ُدق عنقها ، فأخذت أبكي وأصرخ ، ألوم نفسي على تفريطي وأهمالي لها ، فالتفتت نحوي وقالت بكلمات متقطعة حزينة وابتسامة دامية :

أردت أن أكون مثل تلك الفراشات الجميلة أحلق بأمان وأطير حيث أشاء ... ثم لفظت آخر أنفاسها !!

فقلت في نفسي :

لا تقلقي أختاه ... فقد كان مصيرك مثل مصير الفراشات الجميلات !

وبينما أنا في حزني وهمي ، إذ ظهرت في السماء آية عظيمة ، امرأة لابسة الشمس والقمر ، وعلى رأسها تاج الحياء ، وكانت حبلى وتصرخ من ألم الولادة ، وظهر من تحت الأرض ، وحش عظيم ، يريد أن يبتلع تلك المرأة و صغيرها الوحيد !

فأسرعتُ خلف الشجرة ، كي أتوارى من ذلك الوحش العظيم ، ولكنه لمحني فتقدم نحوي وعيناه تقدحان نارا !

وبدأت أجري خلف الشجرة وهو يتتبع أثري ، حتى مل ملاحقتي ، فضرب الشجرة العظيمة بمخلبه ، فاهتزت ، ثم ضربها أخرى فاضطربت ، ثم ضربها مرة ثالثة فهوت نحو الأرض ، وقد نخرت الحشرات والديدان والسوس ساقها .

فصرت أنا والوحش وجها لوجه ، فأيقنت بالهلاك ، ولكن المرأة وصغيرها ، هبطا إلى الأرض ، فتركني الوحش ، وانطلق نحوها مسرعا ، فقلت في نفسي :

لن أكرر أهمالي مرة أخرى . وأسرعت نحو المرأة وصغيرها ، ووقفت في وجه الوحش الشرير ، أمنعه من التقدم ، ولكنه لم يعبأ بي ، فلطمني وقذفني بعيدا عن المرأة وطفلها !

وفغر الوحش فاه الكبير ليبتلع المرأة وصغيرها ، ولكن صوتا جاء من السماء :

أن حيّ على الفلاح والنجاة !

فإذا صوت هادر يأتي من بعيد ، ويتدفق نحو الوادي سيل عرمرم ، يجر معه الصخور والأشجار ، فأسرعت نحو الصغير وأمه ، فجذبتهما خارج الوادي ، والتحم السيل بالوحش ، فأخذ الوحش يصارع السيل بعناد وقوة ولكن السيل كان أقوى فجرف الوحش ، والشجرة العملاقة ، والفراشة ، والمرأة المسكينة ، نحو المجهول ، ثم ابتلعت الأرض الماء ، وأشرقت الشمس من جديد ... فتقدمت باستحياء نحو المرأة الأم ؛ وأردت أن أسأل المرأة عن قصتها وقصة طفلها ، فقالت : ... !

ولكنني استيقظت من النوم ... وانتهت رؤياي ) !!!

قل أحد تلاميذ هذا الحكيم : يا معلم ، هل عندك تأويل هذه الرؤيا ؟

فقال : يا بني ، إنها رؤيا عجيبة وغريبة ، وقد كلّ ذهني عن إدراك معانيها ، وكشف أسرارها ، وحل طلاسمها ، إنها رؤيا مذهلة وعجيبة ، وإن صدقت تلك الرؤيا فليأتينك منها يا بني العجب العجاب !

فقال التلميذ : فعلا يا معلم إنها كذلك ، فهل نرجع لدرسنا ، ونكمل قراءة وشرح متن (المصابيح ) ؟

الشيخ الحكيم : تفضل يا بني .

فقال التلميذ وهو يقرأ من كتاب شيخه :

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشارح لمتن ( المصابيح ) المؤرخ البريطاني ( توينبي ) :

( إن العالم قام بصفقة مقايضة ، فقد أغرت فنون الصناعة ضحايا ، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ، وذلك ببيعها مصابيح جديدة لهم ، مقابل مصابيح قديمة ، لقد أغوتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلا منها السينما والراديو ، فكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري ، الذي سببته تلك الصفقة ، إقفرارا روحيا وصفه أفلاطون يوما بأنه مجتمع الخنازير ... انتهى كلامه من كتاب "سقوط الحضارة " لمؤلفه كولن ولسن / ص 164)

الشيخ أبو الفداء : حسبك يا بني .. !

 

 

صخرة الخلاص



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية