كلماتـنــــــا.. إنجيل القلوب!
النفوس مهما كانت متفاوتة في طريقة تعبيرها، فإنها تحوي كماً هائلاً وهادراً من الأحاسيس الجميلة والرائعة والباسمة حيناً، والحزينة والباكية حيناً آخر!
كل النفوس تحب، تعشق، تميل، تتواجد، تبكي، تحزن، تفرح. وتظل هذه المشاعر المتضاربة قابعة في أعماق، أعماق النفوس، في هوة سحيقة في سويداء القلوب التي لا قرار لها، في بئر عميق جداً، حتى نقذف فيها دلو "الحروف" التي تغرف من هذه الأعماق أسرارها وكنوزها، أحزانها وأفراحها، لتخرج لنا دفق المشاعر "الكلمة" المفتاح السري للصدور، والجسر الذي يصل بين النفوس!
نشك أحياناً أو نتردد في مشاعرنا، ومشاعر غيرنا تجاهنا، لكن بالكلمة -التي لا تصنع المشاعر بل هي الختم أو البصمة التي تؤكدها- نستوثق عرى المشاعر، ونسجلها في ديوان الخالدين، لتتناقلها الأجيال، وتتناقل قصص العشاق، والمحبين، والمتأوهين، وصرعى الوجد والفراق. الكلمة سجل وديوان النفوس، بل إنجيل القلوب.
يبقى الإنسان الناطق المتكلم هو من يصهر مشاعره في كلماتٍ كسبائك ذهب يصوغها أمهر صانع، وإذ لزمه الكتمان فعليه بالمناجاة والمناجاة هي حروف وطلاسم، تمتمات وآهات ودموع، ستكون تلك الرسائل مشفرة على جميع الخلق، لكنها كتاب مكشوف إلى من يهمه الأمر، بل صورة حيَّة رسمت بها نفسك ومشاعرك كمرآةٍ تعكس فيها مشاعر حبيبك.
كثيراً ما نجد راحة الضمير وفسحته الكبيرة في البوح العفيف الذي يغرف من صميم القلوب، ويستنسخ ما نحت في شرايينها على الورق أو على الشفاه، كحديث الشفتين للشفتين، وهمس القمر في أذن الليل، كلماتنا يسبقها الخوف والقلق اللذيذ، خوف يجعل الموقف جميلاً، ويجعل الذكرى باسمة، خوف وتردد وتراجع، خفقان القلوب، واضطرابها لأجل كلمة واحدة فقط.. (أحبك) كلمة مقلقة ومخيفة حينما نحاول أن نقولها لأول مرة، نخاف من أنفسنا، ونخاف ممن يهمه الأمر، خوفٌ سببه الشك في الحب كله، وفي علاقتنا كلها، حتى نستجمع قوانا، فتنطلق سفينة (الحب) مبحرة من شرايين القلب ميممة شطر شاطئ الشفتين لتطير بعدها في الهواء الطلق فتعبر من خلال أذن المحبوب ثم تجري بانسياب في شرايينه ثم تستقر في قلبه، فيتوقف قلبه لحظات، تلك اللحظات الحاسمة التي تكاد تسكت فيها القلوب، ويسكت فيها قلب المحب الأول خوفاً من ردة فعل محبوبه، إلى أن يخفق القلب الثاني بقوة وحيويَّة يخفق لها قلب الأول، فتصير القلوب قلباً واحداً، وتلتحم الشرايين، وتقع العين على العين، وتتداخل الأنفاس، وتتجاور الشفاه، في صورة من صور ديوان العشق، وصفحة من صفحات سجل المحبين، وكلمات من إنجيل القلوب.
نعبر عادة عن شعورنا الداخلي بالراحة النفسية والاطمئنان بكلمة "الدفء"، ونعبر بكلمة "البرودة" لبيان لوعتنا من البعد، والغربة، والوحدة، والانعزال، وتعبر بكلمة "الحرقة" عندما ترى من تحب أو من تريد ثم هو لا يبالي بك، أو تعلم أنه بعيد عنك، أو أنه لا يفكر بك.
وكلما كانت الكلمات دقيقة كلما كانت معبرة عن النفوس، فالسخونة غير الدفء، السخونة حرارة سريعة وتعرق خارجي يأتي غالباً من موقفٍ مفاجئ، أو من انتظار ردة فعل محبوبك، أما الدفء فإنه ينطلق من الأعماق من الداخل من أعماق الباطن، إنه حالة اطمئنان وحالة رضا، إنه الحب.
وقد اختلف فلاسفة الحب، في إفشاء سر الحب أو كتمانه، فقال فريق الحب كالزهور وأريجها لا يحبس، ومن حبسها أفسدها، أو أنه كالطيور تحب أن تحلق، فاجهر بحبك وحلق مع محبوبك. وفريق آخر قال: فساد الحب أن يفشى، وإنجيل المحبين سر لا يجوز البوح به، والحب من المضنون به على غير أهله، والمحبين غرباء لا يجوز لهم كشف هويتهم ولا كشف أسرارهم للعوام.
قلتُ: الحب إيمان، والإيمان قول وعمل، اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالجوارح والأركان، لكن يجوز في إنجيل العشاق كتم الإيمان مع الاطمئنان به، ومن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه.
وقالت الفلاسفة: علامة الحب الصادق دموع المحبوب، ففي كل صورة يرى حبيبه، ومع كل نغم يسمع صوته، ومع كل نسمة يجد عطره، وليس له إلا بذل دموعه، صابر محتسب، يكتم إيمانه، ويشيح بوجه عن كل بشر، يكفكف دمعه، ويبتلع غصصه، يعيش في أمسه، يضحك مع كل ضحكة ضحكها في الماضي، ويخفق قلبه مع كل خفقة خفقها هناك في زمن انصرم.
وقال أحدهم: الرجل أصبر في الحب، فالحب بحر مخيف تغرق فيه كثير من الزوارق الوردية، لأنها ترتطم بصخور قاسية دائماً، فتمزق الورود، وتلاشي الزهور، لذا على الرجل أن يرحم محبوبته، ويجنبها مشقة السفر في طريق لا نهاية له.
وقال فليسوف الحب: الحب الحقيقي هو أن تغار على حبيبك حتى من نفسك، فتحميه من نزواتك وشطحاتك، حتى لو اضطررت أن تقتل قلبك وتفارق محبوبك إن كان في ذلك علاجاً له.
وقال طبيب القلوب: الإحساس شيء والواقع شيء آخر، أحياناً نحس بأشياء كثيرة، لكنها جداً بعيدة عن الواقع، نتخيلها وجود .. لكنها مجرد وهم في أحاسيسنا، ولا يشعر بها إلا نحن فقط!
وذكر أديب العشق، فقال: عندما أحب أكتب، وعندما أحزن أكتب، وعندما أبكي أكتب، وعندما أحلم أكتب .. أكتب ليقرأ الناس روحي ككتاب مفتوح فيه فصول الأحزان والأفراح والدموع والابتسامات.
وقال مسيح العشاق: بماذا ينتفع المحب إذا ربح العالم كله وخسر محبوبه؟!
قلتُ: حينما يخسر الإنسان حبيبه يخسر نفسه، وحينما يخسر نفسه يخسر كل شيء!
وأخيراً قال قديس الحب: إذا كان حب الله في قلب الإنسان أكبر وأعظم من كل حب، فإنه يصير صمام الأمان للجسور بين القلوب، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً مما ترك.
الجمعة, 02 ربيع الأول, 1427
أضف تعليقا
كلماتي هي لمسات من قلبي لقلبه ..
كلماتنا بريد قلوبنا .. وعندما نبذلها لكل أحد .. تفقد معناها وقيمتها ، كالحب تماماً عندما يبذل لكل أحد يفقد قداسته ومعانيه الخالصه ويصبح ضرباً من ضروب العبث واللهو ..
كلماتنا هي الرئة التي تتنفس بها عواطفنا ومشاعرنا .. ولا غنى لنا عنها ..
.
.
" ولا تزال الكلمة من اللغة حتى تقولها أنت ،فإذا هي كلمة من الفن ، وإذا فيها ذاتية وحياة ولها تاريخ ولو بمرورها من شفتيك !"
"أنت علمتني بحبك أن الجمال هو تصوير الحياة بك ، فكلامك لي هو تصوير اللغة بك وحدك يا حبيبي.."
"قطرات الماء القليلة جداً إذا أصابها الظمئآن الذي بلغ به الظمأ جفاف الروح ، تحولت في خياله وعلى كبده قطرات من اللهب الأبيض ..
كذلك في ظمأ الحب ، فإن القليل جداً مما يداوى به الحبيب ، هو الكثير جدا مما يمرض به المحب ..! "
،،
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من المملكة العربية السعودية