(! مغامرات سندباد والعنقاء ... ربح الجمهور خسارة النفس )
( هذه قصة وأسمار وحكايات رمزية ، قد يخيل لك أنها لا شيء ، أو أنها تقصد كذا أو كذا ... لكني أظن أن كل واحد منا سيجد فيها ما يمكن من خلاله أن يجد لذاته صورة أو بقايا صورة ، الدين سياسة أخلاقية بل أخطر سياسة ممكن أن تكون .... اقرأ وتعرف!)
من الأساطير الجميلة التي عرفتها منذ صغري ، أسطورة العنقاء ، ذلك الطائر الكبير العملاق الذي يحمل الفيل ، ويحمل الصخر الكبير ، ويقال فيما قيل : إن الأنثى لا تبيض إلا كل مئة سنة ، وأنها تحتضن بيضتها مئة سنة أخرى !
كما قيل : أن حجمها أسطوري ... وتدور حول تلك الأساطير حكايات وذكريات عجيبة ، ولازلت أذكر لما كنت صغيرا تولعي الشديد بأفلام ( السندباد) ومغامراته الرائعة مع الفتى الأبي ( عليّ بابا ) والشيخ الحكيم ( العم علاء الدين) ولا زلت أذكر تلك الرحلة الرهيبة التي قاد مغامرتها الطفل الصغير ( سندباد) حيث تحطمت سفينة عمه الحبيب ، وتشرد المسكين ، وذهبت السحرة والكاهنة ميساء الشريرة بعمه إلى المجهول ، ونقلت سفينة عمه المحطمة إلى بلاد السحرة بالمغرب ، حيث مقبرة السفن !
وبعد مغامرات مثيرة ، مخيفة ، مدهشة ، غريبة ، يصل الطفل الذكي سندباد ، إلى جزيرة مفقودة ، مع مجموعة من البحارة ، ويشاهدون دارا على شكل بيضة ، فيحاول مجموعة من البحارة فتح الدار ، ولكن دون جدوى !
فيقوم بعضهم بإحضار جذع شجرة ، لدك باب الدار ، فهدوا الدار ، فأنبثق منه سيل عرم من الدماء ذات الرائحة الكريهة ، وذات اللزوجة المقززة ، فيكتشف سندباد أن هذا الدار ليس بمنزل ، ولكنه بيضة طائر العنقاء !
فيأمر البحارة بسرعة الهرب قبل أن تأتي الأم فتنتقم لبيضتها المنتهكة والمحطمة ، فتنطلق السفينة في عباب البحر !
ولكن ... هناك في الأفق البعيد يظهر جسم مخيف ، جسم طائر غاضب مزمجر ، صوته يبعث الرعب ، يجعل القلب يبلغ الحلقوم ، فتشاهد الأم بيضتها محطمة ، فتقتلع صخرة كبيرة ، كي تنتقم من هؤلاء الأغيار الأقزام ، الذين دمروا بيضتها !
فتطير نحو السفينة ، وتلقي بالحجارة على السفينة فتصيبها بمقتل !
يموت جميع البحارة ، وينجو الطفل السندباد ، ويتعلق ببقايا السفينة المتناثرة ، نتيجة نقمة العنقاء الغاضبة المجنونة ، التي نسيت كل معاني الرحمة ، لأن بيضتها حطمت ، لأنها أعتقدت أن هؤلاء مجرد شياطين ، وكبيرهم البحار هو شيطانهم الأوحد !
تدور الأحداث ، تمر الأيام ، تتقلب الليالي ، تشرق الشمس بروعتها ، وخيوطها الذهبية ، وكأن دنس الليل وعربدته القذرة ، قد تلاشت ، وعلى الوجود ، طهارة الشمس ، طهارة الضوء !
لكن حبيبنا السندباد الطفل الصغير ... يجد نفسه بعد أن تقاذفته الأحداث وجها لوجه مع العنقاء ، في جزيرة مجهولة ، لوحدهما !!
ماذا يفعل هذا الطفل الصغير مقابل طائر خرافي ضخم ؟
الله في عونك يا صغيري ... إن بقيت في الجزيرة المهجورة فستأكلك السباع والثعابين ، وإن أردت الرحيل فأنى لك ؟!
وتلمع عين الطفل ... فيختار الطريق الصعب !
الطفل ، يواجه العنقاء ، لأنه مضطر وأحيانا يركب الصعب ويجالس الموت من يضطر ، ولكن كيف يواجها وهو بلا سلاح ، وهو كالنملة أمام هذه العنقاء الغاضبة !
لكن طفلنا العجيب ... أدرك بعقله المتقد ذكاءا أن في العنقاء ضعف ظاهر ، فهي غاضبة ، بل حانقة إلى أبعد درجة ، وهذا الغضب أنساها من تكون ، ومن يكون خصومها ، بل إن غضبها هذا قد يتسبب في تحطيم بيضتها القادم في حركة لا إرادية منها !
كما لاحظ السندباد الطفل الصغير - طالب الكتاتيب - أن هناك نقطة ضعف في العنقاء ، فهي كبيرة كبيرة جدا ، وبعد غضبها تضخمت ، تضخمت بشكل رهيب ، وأنتفش ريشها ، فلم تعد تحس بمن حولها ، حجمها المتضخم وغضبها أدخلها في سكرة وإنتعاش !
أستغل الطفل البريء ... نقاط ضعف العنقاء بمهارة ، فتسلل إليها تحت ستار الظلام الحندس ، فعوت الذئاب معلنة بدأ ملحمة الصراع ، بين زعيمة الجزيرة الموحشة ، وبين طفل بريء الزهور تخدش خده المزهر الرائع !
الذئاب ... وقفت بعيدا خوفا من العنقاء ، الثعابين الضخمة ، وقفت ترقب الموقف عن كثب ، والطفل الصغير تقدم بكل حزم وعزم ، نحو العنقاء !
هذه العنقاء العدو اللدود للطفل الصغير ... ستصير هذه الليلة ، خطة الخلاص ، طريق النور والنجاة ، لصديقنا سندباد ، فهي تحمل في قلبها متناقضات ومتصارعات كثيرة لا يعلمها إلا الله !
يخلع الطفل عمامته العربية الأصيلة ، فيتطاير شعره الحريري في الهواء ، ويقترب بكل لطف وهدوء ، نحو عرين العنقاء ، ويصعد على شجرة ميتة ، حتى تسلل من خلال ريش العنقاء ، حتى وصل إلى ساقيها ، ثم انحدر نحو أقدامها ، فثبت مكانه جيدا ، وربط عمامته العربية الأصيلة حول نفسه وحول ساق العنقاء ، وينام تلك الليلة في قلق وخوف منها !
ويتنفس الصبح ، وتختبئ الذئاب في كهوفها ، وتندس الثعابين في جحورها ، وتطل شمس الحياة برأسها على استحياء ، وكأنها تستأذن العالم للدخول !
العنقاء ... تستيقظ وتفتح عينها ، وتتنفس الصعداء ، وتقرر مغادرة الجزيرة ، بحثا عن طعام ، أو بحثنا عن سفن بشرية لتحطيمها إنتقاما من هؤلاء البشر الشياطين !
فتطير ، وتحلق في السماء ، وفي قلبها ألم ، أسى ، حزن ، وغضب لو تكوّن ، لكون قوة تدمر جميع البشر ، ولم تعلم هذه العنقاء أن طفلا صغيرا من هؤلاء التي تظن أنهم شياطين قد تسلل إليها ، وجعل غضبها ، طريقا له نحو جزيرة النجاة !
وتهبط العنقاء في جزيرة بحثا عن الطعام ... فيستغل الطفل هذا الهبوط الإضطراري ، فيفك عمامته ، وينزل مسرعا ، ويشاهد العنقاء تتصارع مع ثعبان عظيم ، ثم تنتصر عليه وتمزقه ، وتطير به نحو جزيرة المجهول ... يتأمل السندباد بها وهي تطير ، فيحزن من كل قلبه على ما سببه لها من ألم وحزن بسبب فقدها لصغيرها ، ولكن عذره ومجموعته من البحارة ، أنهم لا يعلمون أن البيت كان بيضة لا منزلا !
ينزل سندباد يتجول في الجزيرة الجديدة ، بحثا عن طعام ، أو سكان بشريين ، وفي ذهنه الرعب من أكلة لحوم البشر !
وبينما هو يسير ، يرى فتاة صغيرة ومليحة ، تجني ثمارا ، فيستبشر خيرا بها ، فيسرع لها ، وإذا بها فتاة عربية ومن بلدة عربية ، فيتعرف عليها وتتعرف عليه وعلى قصته ومغامراته ، فترحب به ، وتدعوه إلى بيتها حيث أخوتها وأهلها .
فيجتمع السندباد اللطيف مع أهل هذه البلدة ، فيحبهم ويحبونه ، ويتعرف السندباد على عمدة البلدة وحكيمها ، وينخرط كأنه واحد منهم .
وفي ليلة قمرية ، كأن القمر في ليلته الرابعة عشرة فتاة فاتنة بوجهها المضيئ ، يجتمع السندباد مع الأهالي في أسمار وأحاديث شيقة ، يستمعون فيها لقصص ومغامرات الطفل العجيب ، ولكن حكيم القرية بدى حزينا كئيبا مهموما !
فيتوقف السندباد ويقول : أيها الحكيم ما بك ، فإني أرى على وجهك تجاعيد الأحزان ؟!
الحكيم (يرمق بعينه الطفل فيتبسم بحزن عميق ) : لا شيء يا صغيري .
السندباد : عمي الحكيم ... إن كنت لا تريد أن تخبرني لأني غريب ، فهذا شيء آخر ، أو أنني طفل لا استحق الاحترام !
الحكيم : آآآه .
أهالي البلدة : سيدنا الحكيم أخبره فهو أصبح واحدا منا ، ونظن أن عنده ما يمكن أن يقدمه .
الحكيم ( بعد إطراق طويل ) : حسنا .
السندباد ( تغمره الفرحة ) : هكذا أكون فعلا واحدا منكم .
الحكيم : أسمع يا بني .. نحن أهل بلدة نؤمن بحكمة أجدادنا وآبائنا القدماء ، وكنا كذلك ، حتى ظهرت في حياتنا امرأة غريبة مريبة ، تسكن في سفح الجبل المطل على القرية .
إنها كاهنة شريرة ، أضلت مجموعة من القرية ، وهي تستعين بمجوعة شريرة من الجن والشياطين الخطيرة ، وهي تنزل كل يوم ثلاثاء في سهل القرية ، وتنصب لها منبرا ، تتحدث فيه بهرطقات مجنونة ، تسف بها تعاليم أجدادنا وآبائنا القدماء ، وقد فتنت مجموعة من شباب القرية ، زد على ذلك فهي فاتنة وجميلة ، فزادت فتنتها فتنة !
السندباد : !!
الحكيم : كنت أعلم يا بني أنك سوف تتمنى أنك لم تعرف مأساتنا .
سندباد : كلا ... عمي الحكيم ، بل أستغرب أن تكون هناك في الوجود امرأة شريرة ، أنا أعرف أن المرأة رقيقة ورحيمة ، ولكنها قد تكون متمردة إذا أهينت ( وهنا يتذكر العنقاء التي حطمت بيضتها )
الأشعث ( رجل من القرية ) : أيها الطفل الصغير .. أنت لا تعرفها ، إنها شريرة حقيرة ، وقحة ، خبيثة ، كافرة ، مهرطقة ، قذرة ، نتنة !
سندباد : معقولة ... كل هذه المعاني الفظيعة تجتمع في امرأة واحدة ؟!!
الأشعث : بل أكثر مما تتصور .
سندباد : إذن عمي الحكيم لا بد أن أقابلها ، وأرى بنفسي ما تعمل .
الحكيم : مستحيل يا صغيري .. فسوف تخدعك وتضللك !
سندباد : وإلى متى نتركها هكذا ؟
الأشعث : إننا نفكر في هدم منبرها الخبيث ، الذي كله تقيؤات !
سندباد : ولكن ... هل تستطيع أن تهدم فكرها التي غرستها في عقول أنصارها ؟!
وبعد إصرار الطفل المغامر ، ينتخب حكيم البلدة مجموعة من ثقات البلدة للذهاب مع سندباد ، نحو سهل البلدة حيث ، تقيم الكاهنة - كما يسميها أهل القرية - فيرى مجموعة من الشباب متجمهرين حول منبرها ، وأنظارهم نحوها ، قد سيطرت عليهم فتنة أنوثتها أكثر من بريق أفكارها !
فيجلس السندباد بينهم ، ينتظر قدوم كاهنة الجبل الشريرة ، وبينما هو ينتظر ، إذ يسمع صفيرا وتصفيقا من المتجمهرين !
فيحبس السندباد أنفاسه لرؤية هذه الشريرة ، وقد تخيل منظرها المرعب !
لكنه يصعق !
يذهل !
يتعجب !
إذ التي صعدت المنبر ، لا يدل شكلها على أنها شريرة ، أو خبيثة ، بل هي امرأة بكل ما تعنيه الكلمة ، فينظر سندباد لأحد أهلي القرية ويقول : هل هذه هي صاحبتكم ؟!
أحد الأهالي : نعم ... ولا تستعجل حتى تستمع لحديثها المسموم !
سندباد : حسنا ... !
الكاهنة الشريرة : أحم أحم !
الجماهير تنفجر بالتصفيق والتصفير !
وتبدأ الكاهنة ، بعرض سخريتها بأهل القرية ، وعمدتها ، وحكيمها ، وتعاليم الأجداد ، وتصمها بالبالية ، والمتخلفة ، وتطالب بالحرية والتحرر ، والإنطلاق من جميع القيود والأغلال ، التي يفرضها سدنة المعابد ، معابد تعاليم الأجداد !
وتخرج من طوامير معها قصاصات من الجلد ، وورق البردي ، فيها نصوص من كلام الأجداد ، وتبدأ تسخر منها وتفنده ، والجماهير تهيج ، وتكيل ألفاظ الثناء والمدح ، وعين أكثرهم على أنوثتها المتدفقة مع كلماتها .
تقف الكاهنة بطريقة غريبة وتقول : يبدو أن هناك ضيفا جديدا أو شيطانا جديدا !
ويموج الجمهور بالضحك والتصفيق .
فيقف سندباد ( مبتسما ) ويقول : أيتها المرأة الغاضبة الحانقة ، مالك ولي ؟
كلمة سوء لم أقلها لك !
معرفة من قبل لم تكن بيننا ؟
أول مرة أقف أمام منبرك فماذا جنيت لتتجنّي عليّ ؟!
أي خطأ من قبلي نحوك لم يصدر !
فبأي حق أيتها المتحررة تطلقين عليّ شيطانا ؟
هل غضبك هو السبب ؟
أم أنا السبب ؟!
الكاهنة : كلكم شياطين أشرار !
عندها يقوم رجال البلدة ، ويأخذون سندباد ، خشية عليه من أن تتعرض له الكاهنة بسخرية أكثر، ولكن سندباد يجول في عقله أمر ، ويبحث له عن تفسير ، لأنه مستريب من الأمر .
ولما وصل الرجال إلى البلدة أستقبلهم عمدتها وحكيمها ، وأجتمعوا لتدراس ما حصل ، فيصل الجميع إلى أن هذه المرأة ساحرة ودجالة شريرة ، وسندباد ساكت لا ينطق .
تنتهي الجلسة ، ويذهب سندباد يفكر ويفكر ، ويحلل ، ويتأمل في نبرة صوتها ، ويظن أن لهذه المرأة قصة غريبة لا بد أن يعرفها .
وبعد مرور أيام قليلة ... يخرج سندباد لمزارع البلدة ، فيرى تلك الفتاة الصغيرة التي شاهدها سابقا ، فيتقدم نحوها ، ويلاطفها ، ويسألها عن قصة المرأة .
سندياد : يا عزيزتي نوف ما هي قصة هذه المرأة لتي يسميها أهل القرية كاهنة ؟
نوف : هي كاهنة شريرة .
سندباد : أغير هذا تعرفين ؟
نوف : لا جواب !
سندباد : من هي ومن أين أتت ، ومن أهلها ؟!!
نوف : لا جواب !
سندباد : أسألك بربك يا نوف ، لا تخفي عني أي شيء تعرفينه فقلبي متألم وعقلي شارد ، ولا أريد أن أغادر القرية قبل أن أعرف قصتها .
( وبعد إلحاح من سندباد ورجاء وتضرع ، تستسلم نوف )
نوف : أسمع يا سندباد ، سأقول لك شيئا ، ذكره محرم في قريتنا ، فلا تخبر به أحدا .
حدثتني أمي أن هذه الكاهنة هي امرأة من أهل هذه القرية أسمها ( سارة ) وكانت امرأة في غاية الأخلاق والجمال ، وكانت أم لثلاثة أولاد ، وكانت متزوجة من أحد المزارعين البسطاء ، ولكنه مرض مرضا عضالا ، فوقفت بجواره تداويه ، وتضحي من أجله ، ولكنه مات ، فحزنت عليه حزنا عميقا ، ولكنه صبرت من أجل أولادها الصغار .
رفضت كل من تقدم لها يريد الزواج منها ، وقررت أن تقف نفسها على تربية أولادها وفراخها الصغار ، وفي ذات يوم وهي ذاهبة إلى مزرعتها ، تعرض لها بعض الأشرار ، ولكنها أستطاعت أن تفلت منهم بشجاعة ، ولكن رأها أحد سكان البلدة - كما يقولون - ونشر خبرها بزيادة ونقص ، فأفسد سمعتها بكذبه ، وأنتشر الخبر كانتشار النار في الهشيم ، وقرر حكيم البلدة إنتزاع أولادها منها ، وطردها من القرية !
هذه هي قصتها ...
سندباد : معقولة ... كل هذا الظلم يقع عليها ، ومن الحكيم نفسه ، ألم يتثبت ، ألم يحسن الظن ، ألم يراعي شعور أم تفقد أولادها بذنب لم ترتكبه ؟!
نوف : لا تخبر أحدا ... أرجوك .. وأعلم أنها الآن تغيرت وصارت كاهنة ، تتعاون مع الشياطين والعفاريت !
سندباد : حسنا ، سوف نعرف إن كان ذلك كذلك .
وينطلق سندباد نحو سفح الجبل يمشي بكل حذر ، يريد أن يرى بنفسه حياة وقصة المرأة التي تدعى الكاهنة الشريرة !
يقترب من كهفها المظلم ، يتوجس خوفا من عفاريتها والشياطين التي تمدها بالقوة .
يترقب !
ينتظر !
يتوجس !
ولحظة ... يسمع صوت خطوات ثقيلة ، تتردد صداها في الكهف ، يهرب سندباد ويختبئ خلف شجيرة ، ويراقب المرأة .
تجلس المرأة ... وبدت كأم حزينة ، ثم أنفجرت بالبكاء ، تنادي صغارها كلا باسمه ، ولم يرى سندباد أي شياطين أو عفاريت معها !
حينها ... يوقن أن ما يقال عنها كذب محض كذب ، وأن هرطقتها ضد تعاليم الأجداد هو مجرد انتقام من أهالي القرية الذين كذبوا عليها وطردوها وسلبوا قلبها أولادها ، وهي تصارعهم الآن بأغلى ما يملكون ، عقيدتهم إيمانهم تعاليم أجدادهم ، لأنهم سلبوا منها أغلى ما تملك ... أولادها .
عندها ... قرر سندباد أن يكرر حضوره يوم الثلاثاء إلى منبر هذه المرأة في سهل البلدة ، فيعلم حكيم البلدة ، فيرفض ، ولكن سندباد يصر ، وبعد جدال ، يرضخ الحكيم ، لرغبة سندباد ، مشترطا مصاحبته للجلسة .
يوافق سندباد ، ويحضر الحكيم وسندباد وبعض أهل البلدة ، إلى مكان تجمهر الكاهنة وأنصارها ، فتحضر الكاهنة ، وسط أعجاب الأنصار وتصفيقهم وتصفيرهم .
فترحب الكاهنة بضيوفها ( الحكيم وسندباد من معهم ) بطريقة ساخرة ، وتكيل أرتال السخرية للحكيم ، وهو يكاد يموت كمدا من سخريتها اللاذعة !
يقف سندباد ويقول : أيتها السيدة النبيلة ، أيتها الأم الرائعة ، هل تسمحين لي بكلمة على منبرك ؟!
الحكيم : سندباد كيف تبجلها وهي ساحرة كاهنة شريرة ؟!
سندباد : أرجوك أن تصمت قليلا .
سندباد : أرجوك أمنحيني هذه الفرصة قبل سفري الأبدي عن بلدتكم ، أرجوك فأنا لا أعد نفسي إلا أحد أولادك !
تذهل المرأة وتتعجب من تلك اللغة الغريبة التي تسمعها لأول مرة !
المرأة ( الملقبة بالكاهنة ) : هل أنت شيطان مارد تريد أن تعبث بي ؟
سندباد : وهل تتوقعين أن أحد أولادك كذلك ؟!
المرأة ( تصمت في ذهول ) !
سندباد : هل تمنحينني هذه الفرصة ، أيتها السيدة الطاهرة ... أرجوك ، أعرف أنني لا استحق ، قد أكون شيطانا في نظرك ، نعم ... فما أتاك ليس بالقليل !
المرأة ( الملقبة بالكاهنة ) : تفضل ... لنرى ما عندك !
سندباد ( تغمره السعادة ) : أشكرك ... نعم أشكرك أيتها السيدة الفاضلة .
يقف سندباد على المنبر ، وتبتعد المرأة قليلا .... فيقول :
أيها السادة ... لا أريد أن أقدم تعريفا بنفسي ، فهذا لا يهم ، ولكني سأقدم لكم تعريفا مختصرا للحياة ، التي هي أمنا جميعنا ، أطفالا كنا أو كهولا .
أيها السادة ... من القصص التي حدثني بها أبي ، وهي قصة من أسفار الحياة ، ومن تجارب الصالحين الحقيقيين ، قال أبي :
كان هناك أحد الأولياء الصالحين من الأجداد الأطهار ، وكان مؤمنا حقيقيا ، وكان يعيش في بلدة تسمى ( مدينة السلام ) وكانت مع كل أسف مليئة بالأشرار ، وكان كهنة الدين فيها أشرارا ، خبثاء ، يتاجرون بالدين كسلعة رخيصة !
وفي يوم من الأيام ، استضاف أحد هؤلاء الكهان الولي الصالح في بيته للعشاء ، فقبل الولي الصالح استضافته ، فحضر مع مجموعة من تلامذته .
وبينما هم على مائدة العشاء ، إذ كانت امرأة خاطئة تجول في المدينة تطرق أبواب الكهان كي يدلوها على الطريق الصحيح ، ولكن كان جميعهم يقولون :
أخرجي أيتها القذرة العنفة الخاطئة ... أخرجي كي لا تنجسين أجسادنا الطاهرة !
وبينما هي تجول في المدنية باكية حزينة ، رأت نورا ينبعث من دار ، فتذهب للدار دون شعور منها وتدخلها !
وبينما الوالي الصالح المؤمن على مائدة العشاء ، إذا يتفاجئ ، ببلل على قدميه ، فينظر ، وإذا المرأة الخاطئة واقفة تبكي ودموعها تسيل على خدها ، وتتساقط على رجل الولي الصالح ، فتنتبه المرأة الخاطئة إلى دموعها وأنها سقطت على قدمي الولي الصالح ، فتهب مسرعة ، تمسح قدمي الولي بشعرها ، وتسكب عطرها على قدميها .. قائلة :
أرجوك سيدي ... سامحني فقد نجست قدميك بدموعي !
الولي ( يتبسم ) : لا عليك أيتها المرأة .
الكاهن ( يهمس للذي بجواره ) : أنظر للولي الصالح تلمس المرأة قدمه وهي نجسه ، ولا يحرك ساكنا !
الولي ( يسمع همس الكاهن ويلتفت له قائلا ) : يا سالم عندي لك حديث أريد أن أخبرك به !
الكاهن : تفضل يا معلم ، فإني حريص على حديثك .
الولي : كان هناك رجل تاجر أدان رجلين ، أدان أحدهما ( 500 ) درهما ، وأدان الآخر (50) ردهما ، فلما عجز الإثنين عن سداد الدين ، عفى عنهما جميعا ... يا سالم أيهما يكون محبا وشاكرا أكثر للرجل التاجر ؟
الكاهن : الذي عفى عنه ( 500 ) درهما .
الولي : أسمع يا سالم ... هذه المرأة الخاطئة ، لأنه وجدت عندي لطفا وعطفا ، بدموعها غسلت قدمي ، وبشعرها مسحتهما ، ودهنا عطرت قدمي ، وأما أنت فلم تستقبل ضيفك بماء ، ولم تقدم لضيفك متكأ ، وتعرف أنني دعوت لك الله أن يشفي البرص الذي أصابك !
يا سالم ... إن كان أصابك البرص في ظاهر جسدك ودعوت الله لك ، فإنها أصيبت به في روحها لأنها خاطئة ، فكانت مدينة بخطيئة الروح أكثر !
أيتها المرأة ... أذهبي فإن خطاياك يغفر الله ، فلأنك أحببتي الله كثيرا ، ستغفر خطاياك الكثيرة بمشيئة الله !
يا سالم ... الآن أي منكما أكثر حبا لله ؟
الكاهن ( يخرس ) !
سندباد ( وهو يراقب هل تأثرت المرأة ) :
وحدثني أبي أنه كان هناك كاهنا للدين ، ولكنه كان مستكبرا متغطرسا ، وكان هناك زبالا فقيرا ، وقد أتى يوم الصدقات .
فتقدم الكاهن بمال كثير لمكان الصدقة ووضعها ... وقال :
يا رب ... أنا تقي وعالم وأصوم وأتصدق ، ولست نجسا كهذا الزبال ، فتقبل صدقتي !
وتقدم الزبال الفقير بخطوات بطيئة وقد لفه الخجل والذلة ، فقدم خبزته التي كانت وجبة له ، قدمها وهو مطأطأ الرأس ... ثم ضرب وقرع بيده على صدره قائلا :
يا رب ... أرحمني ، أغفر لعبدك الخاطئ المذنب .
قال أبي : وكان في وقتهما نبي من الله ، أوحى الله إليه بخبرهما ، قائلا :
أما الكاهن ... فلأنه أستحقر عبدي ، فلم تقبل صدقته ، وأما العبد الفقير الذي جاء منكسرا خاضعا بين يدي فأني قد غفرت له .
ويواصل سندباد حديثه وسط تعجب :
أيها السادة ... من منا ليس عليه ذنوب ؟
من منا كل أعماله صالحة ؟
أليس من العيب أن نحتقر العصاة وكلنا عصاة ، من منا يا سادة ، قد علم أن الله رضي عنه ، من منا ضمن رحمة الله ؟!
يا سادة ... ألا نخجل من تحقير المذنبين وكلنا منهم ، لماذا نكون سدود شوكية تسد الطريق أمام العائدين إلى الله ؟
يا سادة ... هل نحن نملك من الله سلطانا نقسم الناس إلى الجنة والنار ؟!
يا سادة ... من فوضكم وكلاء عن الله ؟
يا سادة ... أفسحوا الطريق بين المذنبين وبين ربهم ، فإنه رحيم بهم ، ويرى دموعهم ، ويسمع أنينهم في الليل ، ويعلم ما هم عليه .
يا سادة ... لماذا تجعلون من أنفسكم قراصنة وقطاع طريق الله ، تسرقون الهداية من قلوب العائدين إلى الله .
وبعد حديث غريب من سندباد ، وتقريع للجمهور والجموع ، يفطن سندباد لصغر سنه بين الحضور فيقال :
أيها السادة ... أعلم أنني لست بأعلمك ، ولا أتقاكم ، ولا أقلكم ذنوبا ، ولكني وإن ظن البعض أني شيطانا ، فإني أحمل قلبا وربي يتألم من أجل الجميع ، قد أقسو ، ولكني لم أتمنى في حياتي صادقا أن يؤذى أحدا ، أيها السادة ... ولكني سأكون كالمزراع الفقير ، الذي قبض في يمينه حبوب القمح !
وسار في الطريق ، فقذف بعض الحبوب ، فسقطت على صخرة !
وقذف أخرى ... فسقطت على قارعة الطريق !
وقذف أخرى ... فسقطت على أرض خصبة ولكنها مليئة بشجر الشوك !
وقذف أخرى ... فسقطت على أرض خصبة رائعة !
يا سادة ... إن كلامي السابق ، هو بذوري ، والأراضي السابقة هي أنتم !
فالبذرة التي سقطت على الصخر ، فأنها سرعان ما تنمو ولكنها تسقط لأنها لا أصل لها ، وكذلك القلب المريض المنافق ، سيتأثر بكلامي ، ولكن قلبه مسرح للأكاذيب ، فستموت بذرة كلامي في قلبه !
وأما البذرة التي سقطت على قارعة الطريق ، فأنها تنمو ، ولكن عابري السبيل والعربات ، سوف تجتاحها وتدهسها، وكذلك حال من يسمع كلامي فيتأثر به ، ولكن له أصدقاء سوء ، فأنه سوف يميتون بذرة الإيمان في قلبه !
وأما البذرة التي سقطت على أرض خصبة ولكنها مليئة بشجر الشوك ، فإنها كلمة الإيمان تقع في قلب العاصي فتثمر ، ولكنها سرعان ما تحترق قبل أكتمال ثمرتها ، بسبب المعاصي السرية التي يقترفها ويواظب عليها ، فإنها تحرق بذرة الإيمان !
وأنا البذرة التي سقطت على أرض خصبة رائعة ، فهي القلوب الرحيمة المحبة الطيبة ، تقع فيها بذرة الإيمان ، فتنمو يرعاه الله ، حتى تثمر .
أيها السادة ... يا جموع الخطاة والعصاة - وكلنا منهم - لا تجعلوا فتنة الناس أشد من عذاب الله !
أيها السادة ... لا تنتقمون من الإيمان بسبب جفاء البشر ، متناسين الله !
أيها السادة ... أنكم إن فعلتم ذلك ، فإنما تنتقمون من أنفسكم ، ومن مقاعدكم في الجنة التي كتبت لكم!
أيها السادة ... جربوا رحمة الله وعظمته !
أيها السادة ... هل جربتم في ليلة مظلمة ، لا يوجد فيها حولكم أحد ، أن قلت لله :
أني أحبك يا الله ... فهل أنت يا ربي تحبني ؟
أنا عبدك الفقير العاصي ، لا تجعل فتنتي بين الناس ، ولا تجعل الناس بيني وبينك !
هل جربنا ذلك ؟
أيها السادة ... ما رأيكم بفقير ، تضرع عند باب غني كريم من البشر ، هل تراه يطرده أو يحرمه ؟!
فما بالكم بنور السموات والأرض أرحم الراحمين ، الذي لا يرد سائله ؟
أيها السادة ... فقط الله يريد منا الصدق .
وبينما سندباد مسترسل في حديثة ، تنفجر المرأة بالبكاء ، وتركض هاربة من الجماهير ، هاربة ناحية سفح الجبل !
يفجع الحضور ... فيستأذن سندباد الحضور ، وينطلق خلفها ، حتى وصل ووجدها عند جدول صغير ، تبكي عنده !
سندباد : أماه ... سيدتي ، أعلم أنه هناك من الناس قد يشوهون الدين ، ويكون السبب في صد الناس عن الله ، ولكن هذا لن يشفع لنا أمام الله .
أيتها المرأة الأم ... فكري في نفسك ، في حياتك ، في مماتك ، في أولادك ، فكري قبل كل شيء في الله !
لا تغتري بأنك تنتقمي من من آذاك ، فالإنتقام سهل ، لأنه هدم وليس بناء ، لا تغتري بالتصفيق حولك ، كل هؤلاء في يوم قد يكون قريبا سيفترقون عنك ، ويتركونك لوحدك ... صدقيني !
أيتها السيدة الأم ... أناديك بداء الأم لأن أقدس علاقة بشرية على الإطلاق علاقة الأمومة .
أيتها السيدة العالمة المثقفة ... لا تهتمي بالمصفقين ، فهل يرضيك أن تربحي هؤلاء وتخسري نفسك ، إذن بماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟!
فكري بما قلته ... لا بمن قاله ، فهو أحقر من أن ُيعبأ به !
أيتها السيدة الطاهرة ... أستودعك ربي ، وأنا على يقين أن قلبك أرض خصبة لبذرة الإيمان .
يرجع سندباد إلى أهالي البلدة ... ويوجه كلامه لعمدتها وحكيمها قائلا :
أيها السادة ... أرجوكم ، دعوها قليلا مع نفسها ، لا تكونوا سدا حائلا بينها وبين ربها ، كفوا عن وصايتكم باسم الله ، ألقوا بذوركم الطيبة وأرحلوا .
أيها السادة ... أحذروا أن تكرروا صناعة مثل هذه المرأة التي تزعمون أنها كاهنة شريرة .
وهنا ... يودع سندباد ، أهل البلدة ، راحلا نحو بلاده ، وهو يرجو من الله أن يسمع ما يسر عن تلك المرأة الأم .







said:

said:



من المملكة العربية السعودية