اعتزال الخفاش الأسود.. يلخص فلسفة الحياة وحقيقة الناس!
قرأتُ كما قرأ غيري خبر اعتزال الكاتب (الخفاش الأسود) الكتابة في الإنترنت وخاصة الساحات العربية. وهذا في حده ذاته خبر طبيعي جداً لأي كاتب، فنهاية كل حي التوقف والسكون. صحيح، هذا الخبر سيكون مفرحاً للبعض ومحزناً للبعض الآخر.
لن أقف هنا مؤيداً أو معارضاً للأخ الخفاش الأسود ومواقفه المختلفة، فهو وحده يعلم موقفي منه ومن كتاباته بالتحديد، ولن أقف عند خبر اعتزاله لأني اعتقد أنه حق شخصي له ولأسرته الكريمة، ولأمه الحانية الغالية حفظها الله ومتعها بالصحة والعافية.
لكن لي وقفة سريعة من هذا الخبر:
الوقفة الأولى: بداية كتابة الأخ الخفاش الأسود في الأنترنت هي بمثابة الولادة أو الظهور إلى هذه الدنيا، وخبر اعتزاله بمثابة الموت أو الوفاة. فاليوم كتاب الساحات يحاسبون الأخ الخافش على غلطاته، ويتسقطون له السقطات وبعضهم يلوح بمحاكمته! هذا ونحن في الدنيا!
والسؤال الموجه لنا جميعاً: فكيف سيكون حسابنا يوم القيامة؟ وكيف سيقف الناس منا يوم الدين؟ وكيف سينقلب علينا الخلان والمصفقون إلى شهود يديننا يوم الدين؟! إن كان هذا اليوم وهو في الدنيا مر وصعب! فكيف يوم الدين؟
الوقفة الثانية: قال الأخ الخفاش عن موقف القراء من مرحلة من مراحل كتاباته وهي التي كانت تتسم بعدم الموضوعية وتجاوز جميع الخطوط الحمر في مناقشة القضايا، ما نصه: (وللأسف لم يكن هناك من يوجه أو يقوم وإنما كان التصفيق والتأييد على أشدّه).
أقول: وها أنت ترى الموقف قد انقلب إلى شامتين وساخرين ومتربصين، إلا مجموعة وقفت معك بوفاء وإخلاص.
ما أريد أن أخلص له هو أن هذه هي فلسفة الدنيا بكل بساطة، هي الدنيا التي يُحسد فيها الغني والقوي ويصفق له ويمدح بقصائد الجاهلية والحداثة، وهي نفسها الدنيا التي يُحتقر فيها الفقير والضعيف ويبصق عليه ويُسخر منه. إذا علوت تجمع حولك الناس، وإذا سقطت انفضوا من حولك!
إن في ذلك لعبرة.. ومن ركض وراء رضا الناس ورغباتهم هلك دون ذلك.
أبداً لم تكن الوجاهة أو السعادة تأتي من الناس، وهذا درس لكل مبتدئ في الكتابة في النت، أو في الفضائيات، أو في الصحافة. احذر من الناس، احذر من طلب رضا الخلق، كل ذلك زائل، وسوف تظل عشرات السنين ترضيهم على حساب نفسك، وتطلب الشهرة والمجد والسمعة، وفي يوم يصحو ضميرك فتخالفهم فينكرون كل جميل لك وكل وفاء، ويصفونك بكل سوء، ومن سمع، سمع الله به!
قيل: بماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!
إذا خسرتَ نفسك (ضميرك- شرف الكلمة- صدقك- كرامتك) فأي ثمن سيوازي ذلك؟ هل يمكن للمال مهما كثر أن يعادله؟ هل يمكن لثناء شخص مهما كان منصبه أو تجارته أن يعادل ذلك؟ كلا، وألف كلا!
السعادة لها ميزان ومعيار كمعيار الذهب، وهذا مسطور في إنجيل الحكماء لا يعرفه إلا من جرب وذاق من البحر الآسن للسعادة الزائفة، وبات لاهثاً يفتش عن بصيص أمل أو نور أو شعلة من قبس مفقود تدله الطريق نحو تلك السعادة الحقيقية التي لا تأتي مع مالٍ أو كلمات مديحٍ أو جاه.
أقل، أقل مراتب السعادة الحقيقية أنها ذاتية تنبع من دواتنا ولا تُمنح من قبل الناس، كما أنها إذا أتت فإنها لن تذهب أبداً، ومن أراد أن يختبر سعادته فليطبقها على هذين المحكين، فلينظر أهي حقيقية أم زائفة.
أخي الخفاش.. ها أنت طفت وذهبت وعدت، فعوداً حميداً لأهلك، وأتمنى أن كل مبتدئ يقرأ ما كتبتَه ويبدأ من حيث انتهيت أنتَ.
أخيراً، أخي الحبيب الخفاش الأسود.. عرفتك طيب القلب، سريع الدمعة على الضعفاء، رجل بما تعنيه الكلمة، تحمل في قلبك [مع أن قلبك يعكز عكز] أجمل معاني الحب والوفاء، فسر بارك الله فيك قرير العين وثابت الخطوات، وتلك خطوة كان ينبغي لها أن تكون من سنوات، فليهنأ بك أهلك وفراخك وأمك الغالية، وسلم لي على ملائكتك الصغار.
مع أطيب التمنيات بوقت طيب وهادئ، وانظر دائماً للإمام، ولا تهتم بما يكتبه هؤلاء، وتذكر قول ابن تيمية: (ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه). وتذكر قول ابن فضل الله العمري: (وكان ابن تيمية لا تأخذه في الحق لومة لائم، وليس عنده مداهنة، وكان مادحه وذامه في الحق عنده سواء). وتذكر قول الإمام الذهبي عن ابن تيمية: (فجرت بينه وبينهم حَملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله تعالى، فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قويُّ التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها).
وفقك الله..








